مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١١
الوجه الثاني: أن يستقرء بحسب التّاريخ و الزّمان الحاضر المجتمعات المختلفة الكثيرة لتحصيل القطع بالتجربة على أنّه لا ينبغ أحد في مجتمع ما و لا يفوق ذاك المجتمع في الفهم و الذكاء إلاّ بنسبة خاصّة و تحت مستوى معيّن من الفرق، ثمّ يلاحظ المجتمع الّذي نبغ فيه النبيّ (ص)، و يرى ما جاء به من أحكام و أفكار في شتّى الميادين، و يلاحظ أنّها تفوق بدرجات كثيرة على أعلى درجات الذكاء الممكن لنابغة ينبغ في ذاك المجتمع بحسب الطبع البشريّ - و إن كان من المحتمل علوّ ذكائه إلى حدّ تلك الأحكام و الأفكار بلحاظ نبوّته - فيثبت بذلك أنّ تلك الأحكام و الأفكار ليست له إن هي إلاّ وحي يوحى علّمه شديد القوى.
هذا أساس لبراهان صحيح على النبوّة يؤثّر في النّفوس أكثر و أشدّ من تأثير البرهان الكلامي المعروف ثبّتناه هنا بأمل أن يوفّق اللّه تعالى بعد هذا شخصا لبيان إثبات النبوّة على هذا الأساس مع ما يحتاج إليه من مزيد تتبع و تنقيح.
الوجه الثّالث: ملاحظة أحوال الرسول (ص)، و أمانته، و صدق لهجته، و خلقه العظيم، و استقامته في أمره، و صموده أمام المحن و المصائب الّتي كانت تكفي لرفع يد الكاذب عن كذبه، و علوّ همّته بدرجة لو وضعت الشّمس في يمينه و القمر في يساره و جعل سلطانا على وجه الأرض لما رفع اليد عن دعوته، فلا يعقل أن تكون دعوته استطراقا إلى كسب المال و الجاه و ما أشبه ذلك. فمن لا حظ كل هذا و ما إليه حصل له القطع - إذا كان سليما في فطرته و عقله - بنبوّته (صلّى اللّه عليه و آله).
هذا تمام الكلام في البحث النقضي عن إنكار الحسن و القبح أشعريّا أو أخباريّا.