مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠٩
هذا. هو الوجه الأوّل من الوجهين البرهانيّين اللّذين يمكن ذكرهما في المقام، إلاّ أنّ هناك إشكالا يرد على هذا الوجه سيأتي ذكره (إنشاء اللّه) عن قريب.
الوجه الثاني: هو أنّه لا إشكال في أنّ العلم بفعليّة الحكم متوقف على العلم بموضوعه، و ليس من قبيل العلم بالمعلولات التكوينيّة الأخرى التي قد يكون العلم بها هو المولّد للعلم بالعلّة على طريقة الإنّ، فإنّ الحكم الذي هو أمر اعتباريّ لا يعقل الإحساس به مباشرة ثم الانتقال منه إلى موضوعه، بل المعقول هو العكس بأن يعلم العبد بموضوعه فيعلم به، و لو فرض أنّ نبيّا من الأنبياء أخبره بفعليّة الحكم في شأنه نقلنا الكلام إلى علم النبيّ مثلا بذاك الحكم فهو يتوقّف على علمه بموضوعه [١] فإذا اتّضح أنّ العلم بالحكم متوقّف على العلم بموضوعه قلنا: إذن لو كان العلم بنفسه داخلا في موضوع الحكم فهذا يعني أنّ العلم بالحكم يتوقف على العلم بالعلم بالحكم، و العلم بالعلم هو عين العلم لأنّ العلم من المعلومات الحضوريّة لدى النفس فيستحيل تعلّق علم آخر به، إذ ما هو منكشف بذاته لا معنى لانكشافه بواسطة الصورة لاستحالة انكشاف المنكشف، إذن فتوقّف العلم بالحكم على العلم به يعني توقف الشيء على نفسه. و لو تنزّلنا و افترضنا إمكانيّة تعلّق العلم الحصوليّ بما هو منكشف لدى النفس حضورا قلنا: إنّ العلم بالعلم متوقّف على العلم الأوّل إذ كما أنّ العلم بالمحسوسات الخارجيّة فرع الإحساس بها كذلك العلم بالوجدانيّات فرع وجدانها، و بهذا يثبت
[١] بل لا يمكن في المقام حصول العلم بالحكم عن طريق إخبار النبيّ، لأنّ النبي لا يخبر بفعليّة الحكم إلاّ إذا تحقّق موضوعه، و المفروض أنّ علم المكلّف بالحكم داخل في موضوعه، إذن لا يخبر النبيّ بفعليّة الحكم إلاّ و قد فرض علم المكلّف مسبقا، و معه يلغو الإخبار.