مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠
طلبه أن أجد له كتبا أكثر موضوعيّة و أعمق شرحا و عرضا لآراء الماركسيّة، فهيأت له ما طلب و كنت أظنّ أنّه سوف لا يفقه منها شيئا لأنني أنا نفسي رغم مطالعاتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحيانا صعوبة في فهمها. و بعد مدّة أسبوع واحد أعادها إليّ و طلب غيرها، و أضاف المدرس قائلا: أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب و إذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولا و عرضا، فأخذت عن شرحه لها كل ما غمض عليّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة و هو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. و قد زاد في اطمئناني عند ما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كل رأي على حدة مناقشة العالم المتبحر في العلم فاطمأننت بأنه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقا، و أنّه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها. و حدّثني عنه مدرّس اللّغة فقال: و اللّه لو لا الأنظمة و القوانين و لو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ و الكفاءة لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، و فتحت له أبواب الكلّيات ليختار منها ما يشاء و كفيته أمر الذهاب الى المدرسة و العودة منها إلى البيت، إنّ إلمامه بعلوم اللّغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه و كم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجا لا أحير جوابا فأضطر أن أؤل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر لئلاّ أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي و قال هذا الشيء عينه مدرّس الدين و أصناف إنه يصلح أن يكون مدرّسا للدين و أصوله.
و قال كذلك مدرّسوا العلوم الأخرى مبدين دهشتهم و حيرتهم في نبوغ هذا الطفل و مستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه.
كان (رحمه اللّه) أوّل من يدخل الصفّ و آخر من يخرج منه و كان كلّه إصغاء و انتباه الى ما يقوله المدرّس، و كأنّ ما يتلى شيء جديد بالنسبة له، و كأنّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصفّ. و ما وجدته يوما و قد ارتكبه الغرور أو طغى عليه العجب بنفسه أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم و معرفة. كان مؤدّبا جدّا يحترم معلّميه و زملاءه و يفرض احترامه على الجميع و كثيرا ما كنّا نفتقده متغيّبا لشهر أو حواليه من المدرسة ثم إذا به يحضر عند الامتحان فيؤدّيه فينال الدرجة العليا و لو كانت هناك درجة