مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨
«شاءت الصدف أن أتخذ لي مكانا الى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي أقيمت تخليدا لذكرى الشهيد الصدر. و في التفاتة منّي إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم و الحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين بل لا أغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل و لم ينتبه إلى التفاتتي، فقد كان ساهيا منصرفا عن كل ما هو حوله و مثبتا عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلّقة أمامه، و هو يصدر الآهة إثر الآهة، و يجذب الحسرة تلو الحسرة، و بين كل لحظة و أخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي و يتألّم بصمت. و قد لفت نظري كثيرا رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها و أشجانها و ربما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيده شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها و تحرّك عواطفها و أحاسيسها إلاّ هذا، فما سمعت منه إلاّ الآهات و التنهدات و الأنّات الخفيّة.
إن كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر إمّا عن كثب أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، اذن لا بدّ أن يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت و قد أصاب تقديري فسألته و قطعت عليه وجومه و شرود فكره، و قد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين و حزن كمين، و يبدو أنّه عرفني و اطمأنّ اليّ، فراح يحدّثني و بنبرات تقطّعها الآهات و الحسرات.
قال بعد تنهدة عميقة: إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالبا في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية، و كنت معلّما في المدرسة التي كان يتعلّم بها و هي مدرسة منتدى النشر الدينيّة الابتدائية في الكاظميّة، و قد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصة و يرعاه رعاية يشوبها الاحترام و التقدير، فعبجت في بادئ الأمر لذلك، و أخيرا اتضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأنّه ينتم ي لعائلة كريمة الحسب عرف كثير من أفرادها و اشتهروا بالعلم و التقى و الورع، أو لأنه يتيم فقد أباه و هو بعد صغير لم يبلغ الحلم. و لكنّ