مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٩
الأمور بالتشريع المباشر فكلّ ذلك مستحيل، فالتنجيز و التعذير من مختصات دائرة العقل و لا تنالهما يد الشرع، كما أنّ الطريقيّة من مختصّات دائرة التكوين و لا تنالها يد التشريع. و لا نظنّ بالمحقّق الخراساني (رحمه اللّه) أنّه كان يقصد جعل واقع التنجيز و التعذير، و لا بالمحقّق النائيني (رحمه اللّه) أن يقصد جعل واقع الطريقيّة. و إن أريد بذلك اعتبارها و جعل عناوينها فكل هذا ممكن و لا يستلزم أيّ تخصيص في حكم العقل، نعم يبقى الكلام في أنّ التنجيز و التعذير العقليين يترتبان على أيّ واحد من هذه الاعتبارات؟ فالمحقّق الخراساني يدّعي ترتّبهما على اعتبار التنجيز و التعذير، و المحقّق النّائيني يدّعي ترتّبهما على اعتبار العلم و الطريقيّة، و لا نعرف وجها فنّيّا يرجّح أحد الرأيين على الآخر، و نحن قد اخترنا أنّهما يترتّبان على كلّ هذه الألسنة و غيرها بما هي تكشف عن اهتمام المولى بالحكم في ظرف الشكّ لا بما توجدها من اعتبارات، أمّا إذا غضضنا النظر عن كشفها عن ذلك فلا قيمة عمليّة لأيّ شيء من هذه الاعتبارات، و لا يترتّب عليها أثر التنجيز و التعذير إطلاقا. هذا.
و قد اشتهر الإيراد على المحقّق النائيني (رحمه اللّه) بأنّ جعل الأمارة علما الذي يعني تنزيلها منزلة العلم عبارة أخرى عن جعل أحكام العلم من التنجيز و التعذير لها و المفروض استحالة ذلك، فما معنى جعل الأمارة علما و طريقا؟ إلاّ أنّ هذا خلط بين باب التنزيل و باب الاعتبار، فليس مقصود المحقّق النائيني (رحمه اللّه) تنزيل الأمارة منزلة العلم في الآثار، و إنّما مقصوده - كما أفاده في بعض كلماته - اعتبارها علما من قبيل المجاز السكّاكي، أو التبنّي المتعارف في بعض الأوساط. نعم يبقى الكلام في أنّ هذا الاعتبار لو لم يترتّب عليه أثر لكان لغوا، و هو (رحمه اللّه) يدّعي ترتّب أثر التنجيز و التعذير على ذلك.