مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦١
ثم إنّ إشكال استحالة الجمع بين الصراحة و الكناية في المقام هو فرع تسليم إمكان الكناية هنا في نفسها، بأن لا نشترط في باب الكناية كون المعنى الكنائي المقصود من لوازم المعنى المطابقي الاستعمالي كما في زيد كثير الرماد أو حكما لما هو من لوازمه كما في أكرم كثير الرماد، أمّا لو اشترطنا ذلك فالكناية في المقام في ذاتها غير معقولة، إذ ليس تنزيل المظنون منزلة المقطوع لازما لتنزيل الظنّ منزلة القطع، و لا حكما لما يلزمه، أمّا الأوّل فواضح لعدم أيّ ملازمة بين التنزيلين، و أمّا الثاني فلأنّه إن كان المراد بالمظنون المظنون بالذات و هي الصورة الذهنية فهو - و إن كان ملازما للظنّ - لكنّه ليس هو الحكم المجعول من قبل الشارع كي يكون موضوعا لهذا التنزيل، و إن كان المراد به المظنون بالعرض و هو الحكم الواقعي فلا تلازم بينه و بين الظنّ.
و المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) رغم أنّه ذهب إلى اشتراط اللزوم في باب الكناية قال بإمكان الكناية في المقام، و ذلك بدعوى أنّ المراد بالمظنون هو المظنون بالذات، و لكن لا بما هو بل بما هو فان في المظنون بالعرض، فاللّزوم ثابت، لأنّ المظنون بالذات يلازم الظنّ و في نفس الوقت لا يرى به إلاّ المظنون بالعرض على ما هو شأن الفناء، و هو الحكم المجعول من قبل الشارع.
و يرد عليه: أنّه إن نظرنا إلى ظننا نظرا فنائيّا قلنا بهذا النظر: إنّه لا تلازم
فلا يلزم الجمع بين لحاظين في خطاب واحد لإمكان حكاية هذا الكلام عن تنزيلين مستقلين، إلاّ أنّه لا يوجد دليل على إرادة الإخبار عن كلا التنزيلين إلاّ الإطلاق، و الإطلاق لا يتمّ عند كون أحدهما قدرا متيقّنا و القدر المتيقّن في المقام هو التنزيل بلحاظ الحجّيّة، على أنّ الحمل على الإخبار دون الإنشاء خلاف الظاهر.
و السبب في قولنا: (إنّ هذا التعبير قد لا ينسجم مع توجيه كلام صاحب الكفاية بإرادة الكناية و الصراحة) هو وضوح أنّ محذور الجمع بين الكناية و الصراحة لا يختص بالإنشاء فهو ثابت في الإخبار أيضا، بينما قد يتخيّل ورود محذور الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في الإنشاء الذي هو - في نظر صاحب الكفاية - إيجاد للمعنى دون الإخبار الذي ليس إلاّ مجرّد الحكاية.