مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦
راح يواصل حديثه، حديث لم نألفه من قبل، فلا هو توضيح و شرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا. فقد كان حديثا تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها، و لأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة الماركسيّة، و الإمبرياليّة، و الديالكتيكيّة، و الانتهازيّة، و كلمات أخرى أظنها كانت تعني أسماء لفلاسفة و علماء و شخصيات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتورهوغو) و (غوته) و غابت عني أكثرها، إذ مر عليها زمن طويل قارب الأربعين عاما، و لأنّها كلمات كانت في حينها يصعب علينا نطقها و تلفظها، كانت غريبة علينا جدّا و لم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا المدرسيّة و لم نقرأ فيها إلاّ (إديسون) و (نيوتن) و غيرهما ممّن درسنا عنهم و عن اكتشافاتهم و اختراعاتهم.
لقد كان يهيم في حديثه و يسبح في بحر من الخيال و التسامي، أو يغوص في بحر لجي يلتقط منه العبارات و المعاني و الأفكار.
لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم (الحوزة) و كلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به. و نحن لا ندري هل أنّ هؤلاء الصبية و الأطفال المحيطين به يعون و يدركون ما يتحدّث به إليهم و يتفهّمون ذلك؟. و هذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك و التي كنا نراها أشياء جديدة علينا و لكن فيها متعة و لذة و إن لم ندرك أكثرها، و كنّا نستزيده فيزيد، و نطلب منه أن يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذرا أو يقابلنا برفض.
فقد كان همّه كلّ همّه أن نفهم و أن نعي ما يحدّثنا و كأنّه نذر ساعات لعبه و سهوه - و هو بهذا السنّ - ليكون معلّما و مفقها، واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام، و بدأت العطلة فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة، و بقي هو في مدرسته قليلا حتى علمنا أنّه تركها لينصرف إلى الدرس.
كانت أياما مضيئة و جميلة، و كانت حلما حلوا مؤنسا أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نتفهم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة،