مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٧
ثم إنّ دليل التنزيل تارة يفرض أنّ لسانه لسان إقامة المظنون مقام الواقع بمعنى جعل حكم على طبق الأمارة بعنوان أنّه هو الواقع - و لذا يسمّى بالواقع الجعلي - و أخرى يفرض أنّ لسانه لسان إقامة الظنّ منزلة القطع بالواقع.
أمّا القسم الأوّل: فلا إشكال في أنّه إنّما يفيد قيام الظنّ مقام القطع الطريقيّ البحت بالبيان الماضي دون قيامه مقام الموضوعيّ الطريقيّ، إذ أنّ هذا بحاجة الى تنزيل مفقود في المقام فلم ينزّل الظنّ بالواقع و القطع بالظّاهر
و عليه فتارة يقع الكلام في قيام الأمارات و الأصول مقام الموضوعي الطريقي بالتصوير الثانيّ، و أخرى في قيامها مقام الموضوعيّ الطريقيّ بالتصوير الأوّل، و ثالثة في قيامها مقام الموضوعيّ الصفتيّ بمعنى أخذ شيء غريب عن الطريقيّة فيه.
أمّا قيامها مقام الموضوعيّ الطريقيّ بالتصوير الأوّل. أو الصفتيّ بمعنى أخذ شيء غريب عن الطريقيّة فيه فهما مبحوثان في المتن. و أمّا قيامها مقام الموضوعي الطريقي بالتصوير الثانيّ - أي ما إذا لو حظت في الموضوع الطريقيّة بالمعنى الجامع بين الطريق التكوينيّ و الطريق الشرعيّ - فبقدر ما نؤمن بفرضيّة إرادة الجامع لا تبقى حاجة إلى مزيد بحث في قيامها مقام الموضوعيّ الطريقيّ، إذ المفروض من أوّل الأمر أنّ دليل موضوعيّته قد جعل الموضوع هو الجامع بينه و بين الحجّة الشرعيّة، فكل ما كان داخلا في ذاك الجامع فلا محالة يقوم مقام الفرد الأوّل، فإذا كان الموضوع هو جامع التنجيز و التعذير مثلا و أخذ القطع في الموضوع بوصفه فردا من أفراد هذا الجامع فكيف لا يقوم مقامه الفرد الآخر من الأصل أو الأمارة؟ و إذا كان الموضوع هو جامع الكشف الحجّة مثلا المتواجد في القطع و في الأمارة فلم لا تقوم الأمارة مقامه؟ و لعلّ مقصود الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) من القطع الموضوعيّ الطريقيّ كان هذا المعنى، و لذا أرسل قيام الأمارات و الأصول مقامه إرسال المسلّمات، و لم يكلّف نفسه الشريفة بالبحث عن ذلك و البرهنة عليه. نعم الظاهر أنّ محطّ بحث الأصحاب الذين أطنبوا الكلام في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الموضوعيّ الطريقيّ و عدمه هو الموضوعيّ الطريقيّ بالتصوّر الأوّل، هذا.
و لو كان الموضوع هو جامع الكشف الحجّة و هو يشمل الأمارة و لا يشمل الأصل فالأمر بلحاظ الأصل يلتحق بالبحث الوارد في القيام مقام الموضوعيّ الطريقيّ بالتصوير الأوّل.