مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٠
حجّة، بل هو ناش من عدم الالتفات إلى هذه المطالب.
و قد تلخّص من كلّ ما ذكرناه أنّ عمليّة الإفتاء و التّقليد في غير موارد قطع الفقيه بالحكم الواقعي، يمكن تفسيرها بأحد مسالك أربعة:
الأوّل: ما سيأتي - إنشاء اللّه - تحقيقه في المقام الثّالث من شمول الأحكام الظّاهريّة بنفس أدلّتها للعامي فيفتيه المجتهد بها.
و الثّاني - ما مضى في المقام الأوّل من دعوى أنّ المجتهد يصبح ببركة الحكم الظّاهري عالما اعتبارا بالحكم الواقعي للعامي فيفتيه به.
و الثّالث - ما ذكرناه في هذا المقام من مسلك التّنزيل.
و الرابع - ما ذكرناه في هذا المقام من المسلك المتوسّط بين الأولين و الثّالث [١].
فلو ثبتت صحة المسلك الأوّل فيما يأتي من بحث المقام الثّالث، لم تصل النّوبة إلى المسالك الأخرى، و إلاّ وصلت النّوبة إلى تلك المسالك، و عندئذ نقول: إنّ المسلك الثّاني قد مضى إبطاله، و أمّا المسلك الثّالث فيتوقّف على أمرين:
الأوّل - أن نمتلك دليلا على التّقليد غير سيرة العقلاء، لما مضى من أن سيرة العقلاء لم تقم على تنزيل حالات العالم منزلة ثبوتها للجاهل.
و هذا ثابت في المقام فإنّ دليل التّقليد غير منحصر بسيرة العقلاء.
[١] و بالإمكان افتراض مسلك خامس و هو القول بالعلم الاعتباري للمجتهد بالحكم الواقعي، و حكومته على دليل حرمة الإفتاء بغير علم، من دون الإيمان بانطباق قاعدة الرّجوع إلى أهل الخبرة على التّقليد في المقام، لعدم كون العلم الاعتباريّ خبرة، مع دعوى أنّ توجيه أدلّة جواز التّقليد - غير سيرة العقلاء - ليس بحاجة إلى افتراض مئونة زائدة كالتّنزيل، ليتمّ تطبيق قاعدة الرّجوع إلى أهل الخبرة، و ذلك ببيان: أنّ تلك الأدلّة تدلّ على كفاية العلم الاعتباري في التّقليد رغم عدم الخبرويّة سنخ ما لو دلّ الدّليل على جواز تقليد العالم بالحكم عن طريق المنام أو الرّمل أو الأسطرلاب.