مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٤
فالمجتهد بإمكانه أن يفتي بالحكم الواقعي الشّامل للعامي، لأنّه عالم به - و لو تعبّدا - و لا يفتي بالحكم الظّاهريّ كي يقال: إنّه مختصّ بالمجتهد فلا يكون التّقليد فيه مصداقا للرّجوع إلى أهل الخبرة. و لكن الملحوظ في ذلك:
أوّلا: أنّ هذا لو تمّ، فهو يختصّ بمورد الأمارات الحاكية عن الواقع، دون مورد الأصول العمليّة التي ليس مفادها حكما واقعيّا، كي يتمّ فيه القول بأنّ مفاد دليل حجّيّتها هو العلم التعبّدي بالواقع و طريقيّتها إلى الواقع، فلا يمكن للمجتهد أن يفتي في موردها بالحكم الواقعي لعدم علمه به، و لا بالحكم الظاهري لاختصاصه بالمجتهد حسب الفرض.
و ثانيا: أنّ هذا لو تمّ في الأمارات، فإنّما يتمّ على مبنى واحد، و هو مبنى جعل الطّريقيّة - كما ذهب إليه المحقّق النائيني «رحمه اللّه» و لا يتمّ على سائر المباني، كجعل الحكم المماثل و غيره، فعلى سائر المباني - غير جعل الطريقيّة - لا يمكن للمجتهد الإفتاء بالحكم الواقعي لعدم علمه به، و لا بالحكم المماثل أو غيره من الأحكام الظّاهريّة لأنّها تختصّ بالمجتهد.
و ثالثا: أنّ هذا لا يتمّ حتى في الأمارات على مبنى جعل الطّريقيّة و العلم تعبدا و اعتبارا، و ذلك لأنّ موضوع الرّجوع إلى أهل الخبرة ليس مجرّد كون من يرجع إليه عالما، و لذا أفتوا بعدم جواز التّقليد ممّن حصل له العلم بالحكم عن طريق الرّمل و الأسطرلاب و النّوم، و نحو ذلك، بل الموضوع هو خبرويّته، بأن يكون عالما عن خبرة، و العلم الاعتباري و الجعليّ لا يحقّق خبروية بالنّسبة للإنسان، فلنفرض أنّ دليل جعله عالما أصبح حاكما على أدلّة حرمة الإفتاء بغير علم، لأنّه أخرجه بالتّعبّد عن موضوع الحرمة - و هو عدم العلم - و لكنّ هذا غير كاف لحلّ مشكلة التّقليد الّذي هو عبارة عن الرّجوع إلى أهل الخبرة، و دليل اعتباره عالما إنّما دلّ على علمه