مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٧
بنت الهدى تهزم الجموع:
خلال مسيرنا في الزّقاق المؤدّي إلى شارع الإمام زين العابدين، سبقتنا الشهيدة بنت الهدى، لتأخذ مكانها هناك استعدادا لإلقاء خطبتها التي هزمت فيها الجموع التي تحشّدت لاعتقال السيد الشهيد.
وقفت كأنها زينب لم تأبه بالمجرمين الذين تتقطّر وجوههم شرّا و حقدا و وحشيّة، لم ترهبها رشّاشات الكلاشنكوف، و بدأت خطبتها التّاريخية - التي تعتبر وثيقة مهمّة من وثائق الثّورة الإسلامية في العراق - قالت (رضوان اللّه عليها):
انظروا... أخي وحده، بلا سلاح، بلا مدافع و رشاشات أما أنتم بالمئات... انظروا - و أشارت إلى الجموع هنا و هناك - بالمئات، فهل سألتم أنفسكم: لم هذا العدد الكبير و لم كل هذه الأسلحة؟ لأنكم تخافون... إي و اللّه تخافون لأنّكم تعلمون أنّ أخي ليس وحده، بل معه كل العراقيين.
إنكم تخافون، و و اللّه لو لا ذلك لما جئتم لاعتقال أخي في هذه الساعة المبكرة من هذا الصباح... لما ذا لا تجيئون إلاّ و النّاس نيام؟ لما ذا تختارون هذا الوقت؟ هل سألتم أنفسكم؟ هل هذا إلاّ دليل على ما أقول.
و ما أن أتمت الشهيدة خطبتها حتى تفرّق الحشد الأثيم، و اختفى في الأزقّة و بقيت سيارات الأمن و من فيها في سكون و ثبات، لم يتحرك أحد حين خطبت الشهيدة و كأن على رءوسهم الطير. ثم توجهت بخطابها إلى شهيدنا العظيم، و قالت: اذهب يا أخي، اللّه معك، فهذا هو طريقنا، و هذا هو طريق أجدادك الطاهرين.
استمر خطاب الشهيدة الخالدة أكثر من خمس عشرة دقيقة، فلم يجرؤ أحد من الجلاوزة على منعها، فقد كان صوتها الزينبيّ و كلماتها الثائرة أقوى من