مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٥
قرار المواجهة المباشرة:
قرّر السيد الشهيد أن يتعامل مع المسئولين بمستوى جديد، فصمّم على أن ينهج نهج جدّه الحسين - عليه السلام - و يتمسّك بمبدإ (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذّليل و لا أقرّ لكم إقرار العبيد). إن موقف السيد الشهيد هذا ناش من تصميمه على الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، إذ لا معنى للثورة بدون ذلك. و كان - رضوان اللّه عليه - يستهدف من ذلك تهيئة الأجواء للشعب العراقي للسير معه في نفس الاتجاه، رغم يقين شهيدنا الغالي بأن الشهادة هي المحطة التي سينتهي إليها في آخر المطاف، و لم يكن هذا المصير يقلق مفجّر الثورة، لأنه لم يكن يفكّر إلاّ بقضيته و رسالته التي هي رسالة الإسلام.
إن السيد الشهيد يعرف السلطة و طبيعتها الإجرامية، و كان يعرف أن لغتها الوحيدة هي المشانق و السجون، و لم يكن بحاجة إلى التكهّن بمصيره لو أراد مواجهتها، لأنه يعرف مسبقا النتيجة، و ما أشبهه بجدّه الحسين - عليه السّلام - حين كان يجسّد أمامه مصرعه (كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات) و هكذا كان شهيدنا العظيم يرى مصرعه، يرى الأيدي الأثيمة تمتد إلى قلبه الطاهر لتقطعه بسيوف حقدها. و مع ذلك كان (رحمه اللّه) يرى أن ذلك يهون و يسهل إذا كان ينتهي إلى إقامة حكومة إسلامية في العراق.
لا أقول هذا الكلام بسبب علاقتي أو حبي للسيد الشهيد (رحمه اللّه) بل الوقائع و الأدلة هي الشاهد و هي البرهان على ما أقول، و سنعيش معا تلك اللّحظات خلال فترة الحجز حين رفض شهيدنا العظيم كل الفروض التي قدمتها السلطة لإرضائه، أو لفك الحجز، أو لإنهاء الثورة، و وقف كالجبل الأشمّ حتى كأنّك تراه و قد نزع اللّه عز و جل من كيانه غريزة حبّ الحياة، و أبدلها بغريزة حبّ الاستشهاد، فكان من الطبيعي أن يتخذ (رحمه اللّه) هذا الموقف ما دام قد بدأ الثورة، و أذن لشعلتها أن تتوهج و تستمر حتى إقامة حكومة الإسلام في العراق.