الشيعة الفرقة الناجية - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣٢٧ - «استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم والأئمة أهل بيته عليهم السلام»
وقد الّف قاضي القضاة عند العامّة التقيّ السبكي كتاباً في فضل الزيارة وشدّ الرحال إليها رَدّاً على ابن تيمية سماه: (شقاء السقام في زيارة خير الأنام) ومثله ابن حجر الهيثمي مفتي الديار الحجازيّة في عصره ألف كتاباً في رجحان زيارة القبور ومشروعيتها سمّاه: (الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرّم) اثبت فيه إجماع العامّة على مشروعية الزيارة والسَفَر إليها وطلبها.
ثانياً: أورد جمعٌ من أئمة العامّة جواز الوقوف عند قبور النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والأئمة الطاهرين من ذرِّيته عليهم السلام للدعاء إلى اللَّه عزّ وجلّ في قضاء الحاجات كما نصّ عليه الإمام الحافظ النووي في المجموع «شرح المهذب»[٦٩١] في باب: مايُستحبُّ أن يقال عند الزيارة- بأن الأنبياء أحياء وكذا الشهداء لقوله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»[٦٩٢] ولانحتاج لتأويل كلمة احياء وإخراجها من المعنى الذي نفهمه والّذي تدلُّ عليه اللغة العربيّة التي نزل بها القرآن إلى معنى آخر لانفهمه، لأنّ اللَّه تعالى يخاطبنا في هذه الآية بما نفهم ونعقل!
فإذا كانوا احياء[٦٩٣] وبعد سلام الزائر عليهم خاطبهم ليَدعُوا اللَّه له في قضاء
[٦٩١] شرح المهذَب: ٨/ ٢٤٧.
[٦٩٢] آل عمران: ١٦٩.
[٦٩٣] كما انّنا نفهم معنى« أمواتاً» في الآية ولانحتاج لتأويلها، وقد جعل اللَّه تعالى كلمة« أحياء» هنا في قبالكلمة« أموات» ومعناهما معلوم في اللغة العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم، بل توجد روايات كثيرة تدلُّ على انّ جميع« الاموات يدركون- حسب مراتبهم- أموراً كثيرة، ولا تنقطع علاقتهم بالدنيا بشكل كامل.
وقد نقل مسلم في صحيحه في باب:« الميت يُعَذّب ببكاء أهل بيته»( كتاب الجنائز، ج ٢ ص ٦٣٨): وأوّل الجمهور على مَن وصيّ بأن يبكى عليه ويُناح بعد موته- كما عقد البخاري أيضاً في صحيحه باباً من كتاب الجنائز هو:« باب الميّت يسمع خفق النعال»( البخاري مع الفتح: ج ٣، ص ٢٠٧- ٢٠٨).
وقال ابن حجر عُقيب ذلك:« ورد في بعض طرقه بلفظ الخفق وهو مارواه أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب في اثناء حديث طويل فيه:« وأنّه يسمع خفق نعالهم».
وروي إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم:« انّ الميِّت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مُدْبرين» أخرجه اليزارو ابن حبَّان في صحيحه هكذا مختصراً.
وأخرج ابن حبَّان أيضاً عن طريق محمّد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة:« أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم .... نحوه في حديث طويل» بل ان قلنا أنّ علاقة الأموات انقطعت عن عالم الدنيا بالكليّة لبقيت الكثير من الروايات بلا تفسير وبلا معنى، مثلًا يكون السّلام على الاموات في هذه الحالة لغوا وبلا معنى، وهذا يعني انّ سلام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم على الأموات- معاذ اللَّه- لغوٌ أيضاً، فقد أخرَجَ مسلم في( كتاب الجنائز: ج ٢، باب مايقال عند دخول القبر، ص ٦٩٩، الرقم ٩٧٤) بسنده عن عائشة: انّها قالت:« كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم كلّما كان ليلتها من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم- يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ماتوعدون غداً مؤجّلون ...» وعلى كلّ حال، فأنّ المتتبِّع في كتب الفقه يجد ابواباً وروايات كثيرة تدُلُّ على عدم انقطاع علاقة الموتى بعالم الدنيا وانّهم يسمعون ويفهمون بأذن اللَّه تعالى.
يذكر ابن قيِّم الجوزي أيضاً في كتابه« الروح» عشرات الروايات والاحاديث والشواهد حول الحياة البرزخية وعلاقة الاموات بالأحياء في هذه الدنيا، نقلَها من الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها، فجاء قسم من عبارته بهذا الشكل:
« ان يقول المسلِّم على أهل القبور السّلام عليكم دار قوم المؤمنين» هذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة المعدوم والجماد، والسَلَف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأنّ الميِّت يعرف زيارة الحيّ ويَستبشر به»( الروح: ص ٩).
ويقول في موضع آخر:
« ويكفي في هذا تسمية المسلِّم عليه زائرا ولولا انّهم يشعرون لمّا صحّ تسمية زائراً فان المزور ان لم يعلم بزيارة مَن زاره لم يَصحُّ انّ يُقال زاره ...»( الروح/ ١٣).
وقد ثبت في الصحيح انّ الميِّت يستأنس بالمشيِّعين لجنازته بعد دفنه( الروح/ ١٥) بالاضافة إلى روايات وآثار أخرى ذكرهما ابن قيِّم ضمن فصول:« الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون أقوالهم وأعمالهم»( الروح/ ١٣)« أخبار الأموات بما حدث في أهلهم بعدهم وبما يحدث».