منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٣ - (حرف الميم)
..........
أما الكتب في التعليم فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر و الحدّ، إنّما تنفتح بالمجاهدة، قال: و كم من متعلم طال تعلّمه، و لم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، و كم من مقتصر على المهمّ في التّعلّم، و متوفّر على العمل، و مراقبة القلب؛ فتح اللّه [له] [١] من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. انتهى.
هذا؛ و قد سئل الشيخ عز الدين عن معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم «من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم»: و ما العلم الّذي إذا عمل به ورث؟، و ما العلم الموروث؟، و ما صفة التّوريث؛ أ هو العلم أو غيره؟! فبعض النّاس قال: إنّما هذا مخصوص بالعالم- يعني: أنّه إذا عمل بعلمه ورّث ما لم يعلم، بأن يوفّق و يسدّد إذا نظر في الوقائع-، فهل يصحّ هذا الكلام أم لا.
أجاب: معنى الحديث أنّ من عمل بما يعلمه، من واجبات الشّرع و مندوباته، و اجتناب مكروهاته و محرماته؛ أورثه اللّه من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك، كقوله تعالى وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٦٩/ العنكبوت]. هذا هو الظّاهر من الحديث المتبادر إلى الفهم، و لا يجوز حمله على أهل النّظر في علوم الشّرع، لأنّ ذلك تخصيص للحديث بغير دليل، و إذا حمل على ظاهره و عمومه دخل فيه الفقهاء و غيرهم. انتهى.
و قال الإمام مالك: علم الباطن لا يعرفه إلّا من عرف علم الظّاهر، فمن علم الظّاهر و عمل به فتح اللّه عليه علم الباطن، و لا يكون ذلك إلّا مع فتح قلبه و تنويره.
و قال: ليس العلم بكثرة الرّواية، و إنّما العلم نور يقذفه اللّه في القلب. يشير إلى علم الباطن.
قال يحيى بن معاذ: التقى ابن أبي الحواري و أحمد بن حنبل، فقال أحمد:
حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الدّاراني. فقال: يا أحمد؛ قل: سبحان اللّه و طوّلها بلا عجب. قال: سبحان اللّه و طوّلها بلا عجب.
[١] زيادة يقتضيها السياق.