جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣٨ - جواز مسح الرأس مدبراً
و كذا [يصحّ] في صورة عدم الاستحضار- لمكان النيّة في الابتداء- فتأمّل جيّداً (١).
(و يجوز المسح على الشعر المختصّ بالمقدّم، و) كذا يجوز (على) نفس (البشرة) (٢). من غير فرق بين كون البشرة مستورة بالشعر أو لا، و لا بين كون الشعر كثيفاً أو خفيفاً (٣).
(١) فإنّ منه ينقدح التأمّل فيما ذكره الفحول من المتأخّرين من التقييد لعدم إجزاء الغسل عن المسح المستفاد من النصّ و الفتوى بما إذا لم يكن يصدق عليه مسمّى المسح؛ لما عرفت أنّهما لا يتّحدان في المصداق أبداً، و الفساد حيث يكون الغسل مقصوداً به الامتثال لأمر آخر لا لانتفاء المسح. لكن قد يقال: إنّ جميع ما ذكرته [من أنّ المسح و الغسل متباينان] يتمّ بالنسبة إلى نفس الغسل و المسح، و محلّ البحث المسح بالبلّة، و كلامهم فيه من دعوى العموم من وجه تامّ؛ لصدق المسح بها مع جريانها [البلّة] الموجب لتحقّق صدق اسم الغسل.
و فيه: [أوّلًا]: أنّه لا مدخليّة للبلّة في ماهيّة المسح، بل هي شرط خارجي في الوضوء. [ثانياً]: على أنّ إمرار اليد مع تلك البلّة مسح، و مع جريانها غسل، فهما فردان أيضاً كما ذكرناه بالنسبة لأصل المسح، و اللّٰه أعلم.
(٢) بلا خلاف أجده بين الإمامية، بل في ظاهر المعتبر و صريح المدارك و الحدائق [١] و غيرهما كما عن ظاهر التذكرة دعوى الإجماع عليه [٢]؛ لصدق المسح بالرأس، الموجود في الكتاب و السنّة و معقد الإجماع على كلّ منهما.
(٣) خلافاً لما ينقل عن بعض العامّة من إيجاب المسح عليه حيث تكون البشرة به مستورة [٣]؛ لكونه بدلًا عنها مسقطاً للتكليف بمسحها، فيكون كالمستور باللحية، فكما لا يجوز هناك و لا يجوز هنا. و أجاب عنه في المنتهى: بأنّه «إنّما اعتبرنا الظاهر من اللحية لانتقال اسم الوجه إليه و زواله عن البشرة، بخلاف الرأس الذي اسمه لازم مع ستره بالشعر، فافترقا» ٤. و ظاهره الموافقة على عدم الاجتزاء هناك [في المستورة باللحية]. و هو لا يخلو من تأمّل؛ إذ المستند في ذلك المقام قوله (عليه السلام): «كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا أن يبحثوا عنه» [٥]، فإن كان دالّاً على بدليّة الشعر و سقوط التكليف عن المبدل [أي البشرة] بحيث لا يجتزى به كوضوء الجبائر و نحوه فلا فرق بينهما أيضاً. و ما ذكره [العلّامة] (رحمه الله) من صدق الوجه بالنسبة إلى شعر اللحية دون البشرة بخلاف بشرة الرأس، فيه ما لا يخفى.
و بذلك تعرف ما في التعليل المتقدّم في أصل الحكم [أي تعليل جواز المسح على كلّ من الشعر المختصّ بالمقدّم و على البشرة بصدق المسح بالرأس في كلّ منهما]؛ فإنّ صدق مسح الرأس لا ينافي جعله الشعر بدلًا عنه مسقطاً للتكليف، سيّما على رواية الشيخ من قوله (عليه السلام): «ليس للعباد أن يطلبوه» [٦]. و قد تقدّم في [غَسل] الوجه أنّ الأظهر على كلّ من الروايتين عدم الاجتزاء بغسل البشرة هناك، اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ الرواية في خصوص الوجه أو خصوص الغسل، كما يرشد إليه قوله (عليه السلام): «و لكن يجرى عليه الماء» ٧.
و كفى بما سمعت من إجماع أصحابنا حجّة على الاجتزاء بمسح كلّ منهما، بل قد عرفت أنّ الاجتزاء بالمسح على الشعر مجمع عليه بين العامّة و الخاصّة، بل يقرب إلى حدّ الضرورة من الدين. فيراد حينئذٍ من البشرة في قول الصادق (عليه السلام) في الذي يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء: «لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء» [٨] ما يعمّ الشعر كما هو واضح. فلا سبيل لأن يقال: إنّ الرأس حقيقة في البشرة دون الشعر، و لذلك لا يجتزى بغسله في غسل الجنابة.
[١] المعتبر ١: ١٤٦. المدارك ١: ٢١٥. الحدائق ٢: ٢٥٢.
[٢] ٢، ٤ التذكرة ١: ١٦٣. المنتهى ٢: ٥٠.
[٣] المجموع ١: ٤٠٤.
[٥] ٥، ٧ تقدّم في ص ٤٩٥.
[٦] تقدّم في ص ٤٩٥، و فيه: «ليس للعباد أن يغسلوه».
[٨] الوسائل ١: ٤٥٥، ب ٣٧ من الوضوء، ح ١.