جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣٧ - جواز مسح الرأس مدبراً
قلت: لا ينبغي الإشكال في تباين حقيقة الغسل و المسح، و أنّهما لا يجتمعان في فرد واحد أبداً (١).
[و الفرد الذي تحقّق فيه إمرار اليد مع الجريان الضعيف في الحقيقة شيئان، لا شيء واحد مصداق لكلّيين] (٢). فالحاصل: أنّ المكلّف مع الإتيان بذلك الفرد لا يخلو [عن إحدى هذه الصور]:
١- أمّا أن يكون قصد الامتثال بجريان الماء و انتقاله الحاصل بإمرار اليد.
٢- أو يكون قصد الامتثال بنفس إمرار اليد من غير قصد للجريان.
٣- أو مع قصده بدون قصد الامتثال به.
٤- أو لم يكن مستحضراً لشيء من ذلك.
فإن كان الأوّل، فلا إشكال في فساد الوضوء (٣). و إن لم يقصد الامتثال به [بالجريان] فوضوؤه صحيح على كلّ حال، حتّى لو قصد نفس الجريان (٤).
(١) كما هو ظاهر الكتاب و السنّة و الإجماع و العرف و اللّغة؛ لكون الغسل عبارة عن جريان الماء على المغسول و انتقاله من جزء إلى غيره سواء كان بنفسه أو بمعين من يد أو غيره. و لعلّ غمس العضو في الماء منه [من الغسل] إدخالًا و إخراجاً، و كذا المكث مع التحريك. و قد يصدق [الغسل] على مجرّد الإصابة [من غير جريان] في أماكن خاصّة، كما في البواطن التابعة للظواهر و ما تحت الجبيرة و نحوها. و المسح- على ما قيل [١]- عبارة عن جرّ الشيء على الشيء مع مماسته له [إمّا] مع بقائه متّصلًا كالماء و رطوبته، أو مع الانفصال كالمسح باليد و نحوها و بالتراب و الغبار غالباً. و كأنّ إيكاله إلى العرف أولى من هذا التعريف، إلّا أن يراد به مطلق التصوير.
(٢) و كيف كان، فما ذكروه من الفرد الذي ظنّوا أنّه محلّ اجتماع و من جهته حكموا بالعموم و الخصوص من وجه، و هو ما تحقّق فيه إمرار اليد مع الجريان الضعيف، فهو ممّا لا إشكال في الاجتزاء به، كما قضت به تلك الأدلّة التي سمعتها.
و ما يظهر من الانتصار من عدم الاجتزاء به [٢]- لأنّه أخذ في المسح أن يكون بقدر من ماء لا يحصل معه جريان- في غاية الضعف، أو يرجع إلينا بوجه من الوجوه. لكن ذلك [الفرد الذي ظنّوا أنّه محلّ اجتماع] في الحقيقة شيئان لا شيء واحد مصداق للكلّيين كما هو قاعدة العموم و الخصوص من وجه، بل هما فردان متغايران متباينان لكلّيين كذلك [متباينين]، فإمرار اليد فرد المسح، و جريان الماء فرد الغسل، و ليس الإمرار مع الجريان مسحاً و لا غسلًا حتى يكون ذلك محلّ اجتماع للكلّيين، فحينئذٍ الاجتزاء بمثله لتحقّق اسم المسح الذي لا يقدح مقارنة الغسل له كالعكس، فالتفرقة [بينهما] حينئذٍ حقيقيّة لا اعتباريّة.
بل قد يقال: لا عبرة بنيّة الغسل مع عدم نيّة الامتثال به، و العبرة بالمسح و إن لم يستحضر حينه النيّة؛ اكتفاءً بالنيّة التي في ابتداء الوضوء.
(٣) لا لانتفاء المسح، بل لقصد الامتثال بالغسل، و هو منهي عنه.
(٤) بل لعلّ في قوله (عليه السلام) في خبر زرارة: «ثمّ أضمرت أنّ ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء» إشارة إلى ما ذكرنا.
[١] كشف الغطاء: ٨١.
[٢] الانتصار: ١٠٨.