جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣٤ - جواز مسح الرأس مدبراً
..........
و يدلّ على ذلك أيضاً ما رواه الشيخ عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلًا و مدبراً» [١]، فقد أخرجها شاهداً على التوسعة في مسح القدمين، كما ورد مثل ذلك في غيرها من الأخبار أنّ «الأمر في مسح الرجلين موسّع، من شاء مسح مقبلًا و من شاء مسح مدبراً، و أنّه من الأمر الموسّع» [٢].
بل قد يظهر من ملاحظة هذه [الرواية] و غيرها أنّ الحكم مقصور على الرجلين، بل في الوسائل باب جواز النكس في المسح، و لم ينقل هذه الرواية فيه [٣]، بل نقل رواية أنّه «لا بأس بمسح القدمين مقبلًا و مدبراً»، فغير بعيد أن يكون هذا التغيير من النسّاخ.
و ما يقال: إنّه يتمّ الاستدلال برواية القدمين بالإجماع المركّب [على جواز النكس في مسح الرأس]؛ إذ لا قائل بالتوسعة فيهما [القدمين] دون الرأس.
يدفعه:
١- أنّه ظاهر الشيخ في التهذيب، بل هو صريحه [٤]، و ما عن ظاهر النهاية [٥] التي هي متون أخبار.
٢- بل نقل في كشف اللثام التوسعة في القدمين عن جمع [٦] لم ينقل الجواز عنهم في المقام. ٣- كما أنّه قد نصّ على الجواز في القدمين في الإشارة و المراسم [٧]، و أطلقا في المقام، فلعلّهما يخالفان أيضاً [في النكس في الرأس]، كما هو قضيّة حجّية مفهوم اللقب في عبارة الفقهاء، و أنّه به يثبت الوفاق و الخلاف. فقد ظهر لك من ذلك كلّه أنّ القول بعدم الجواز لا يخلو من قوّة، و إن كان الأوّل أقوى؛ لمكان حصول التردّد من جميع ما ذكرنا [من أدلّة القولين] و ما شكّ في شرطيّته ليس شرطاً عندنا، سيّما في مثل الوضوء، فتأمّل جيّداً.
و كيف كان، فما ذكره المصنّف من الأفضليّة- كما في القواعد و الإرشاد [٨]، بل لم أعثر على مخالف فيه صريحاً، بل يظهر من المرتضى في الانتصار: أنّ الإمامية بين قولين: الوجوب، و كونه مسنوناً [٩].
فلعلّ وجهه:
١- أنّه المتبادر من الأخبار. ٢- و لحصول يقين البراءة [بالمسح مقبلًا]. ٣- و الخروج من شبهة الخلاف به.
٤- و أوامر الاحتياط و تجنّب الشبهات. ٥- على أنّ التسامح في الاستحباب عقلي غير محتاج إلى الدليل، كما هو مبيّن في محلّه. و ما ذكره [المصنّف] من الكراهة [في مسح الرأس مدبراً] كما في السرائر و المعتبر و القواعد و التحرير [١٠] و غيرها لعلّه لعكس ما ذكرنا في وجه الاستحباب مقبلًا، و الأمر سهل، إذ المراد بالاستحباب و الكراهة أفضل أفراد الواجب و أقليّة الثواب؛ لما عرفت من إيجاب المسح و اللّٰه أعلم.
[١] تقدّم في ص ٥٣٣.
[٢] الوسائل ١: ٤٠٧، ب ٢٠ من الوضوء، ح ٣.
[٣] لكنّه نقلها في الحديث الأوّل من ب ٢٠.
[٤] التهذيب ١: ٥٨، ذيل الحديث ١٦٠.
[٥] النهاية: ١٤.
[٦] كشف اللثام ١: ٥٤٧.
[٧] الإشارة: ٧٠، ٧١. المراسم: ٣٧، ٣٨.
[٨] القواعد ١: ٢٠٢. الإرشاد ١: ٢٢٣.
[٩] الانتصار: ١٠٣.
[١٠] السرائر ١: ١٠٢. المعتبر ١: ١٤٥. القواعد ١: ٢٠٣. التحرير ١: ٧٩.