جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٤ - التداخل مع نيّة الجميع
..........
كالقول بأنّهما مختلفان بالوجوب و الندب، و هما متضادّان لا يجتمعان في محل واحد، و الشيعة متّفقون على عدمه [عدم اجتماعهما] كالواجب و المحرّم و إن اختلفت الجهة؛ و ذلك لما تقدّم لك في أوّل البحث أنّ التحقيق أنّ المراد بالتداخل هنا إنّما هو الاجتزاء بفعل واحد عن الفعلين، و ليس هذا الفرد الموجود في الخارج الذي تحقّق به الاجتزاء مصداقاً للكلّيين حتى يلزم ما سمعت، بل هو أمر خارج عنهما، فهو من قبيل فرد لكلّي آخر قال الشارع: إنّي أجتزئ به عن الواجب و المندوب، لكن لمّا كان مشابهاً في الصورة سمّي بالتداخل، و إلّا فهو ليس غسل جنابة و غسل جمعة ليرد ذلك.
فإن قلت: إنّا نسأل عن هذا الغسل الموجود في الخارج أ هو مستحب أم واجب أو مستحب و واجب؟
قلت: هو حيث يقوم مقام الأغسال الواجبة، فهو أحد فردي الواجب المخيّر بمعنى أنّ المكلّف مخيّر بين أن يأتي بالفعلين ٢/ ١٣٠/ ٢٣١
أو بالفعل الواحد المجزي عنهما، و حيث يقوم عن الواجب و المندوب فهو مندوب محضاً؛ لأنّه يجوز تركه لا إلى بدل، و ذلك لأنّه بدله الواجب و المستحب جميعاً، و يجوز للمكلّف الاقتصار على الواجب فقط، و هو ليس بدلًا عنه، فكان يجوز تركه لا إلى بدل، فلا يكون واجباً، فينوي حينئذٍ- بناءً على اشتراط نيّة الوجه- الندب فيه مع نيّة الاجتزاء به عن الجميع الواجب و الندب، و [بناءً] على عدم الاشتراط ينوي القربة مع نيّة الاجتزاء به عن الجميع.
لا يقال: إنّهم صرّحوا بأنّ الندب لا يجزي عن الواجب، بل لا يجوز أن يرد فيه دليل، و ذلك لأنّ الأحكام الشرعية عندنا معلولة لمصالح واقعيّة، و لا ريب في تباين المصلحتين.
لأنّا نقول: لا مانع من اشتمال الندب على مصلحة الواجب لكن وجد المانع من اقتضائها الوجوب، و وجود المانع لا ينقضها، بل هي باقية على حالها، و يكشف عن ذلك الدليل [الدالّ على إجزاء المندوب عن الواجب]، نعم بعد فرض عدم الدليل عليه لا نقول به؛ لعدم علمنا كيفية مصلحة الندب، كما يشير إلى ذلك [اشتمال المندوب على مصلحة الواجب و وجود المانع من اقتضائها الوجوب] قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» [١] و غيره، فتأمّل.
و أمّا ما ينقل عن بعضهم من دفع هذا الإشكال بعدم وجوب نيّة الوجه [٢]، ففيه ما لا يخفى؛ إذ ليس الإشكال في النيّة [بل] إنّما هو في الاجتماع في الشخصي الخارجي، و هذا لا يرفعه. و يظهر من بعضهم دفع هذا الإشكال بأنّ المراد بتداخل الواجب و المستحب تأدّي إحدى الوظيفتين بفعل الاخرى، كما تؤدّى صلاة التحيّة بقضاء الفريضة وصوم الأيام المسنونة بقضاء الواجب و نحو ذلك [٣]؛ لظهور تعلّق الغرض بمجرّد الماهيّة على أي وجه اتّفق، فيكون المقصود من غسل الجمعة مثلًا غسل هذه الأعضاء على الوجه المعتبر في هذا اليوم و إن تحقّق في ضمن الواجب مثل غسل الجنابة و غيره، فلا يرد أنّ ذلك ممتنع لتضادّ وجهي الوجوب و الندب؛ إذ الواقع إنّما هو الغسل الواجب خاصّة لكن الوظيفة المسنونة تأدّت به؛ [و ذلك]:
١- لصدق الامتثال.
٢- و لما سمعت من الأخبار [الدالّة على الاجتزاء بغسل واحد عن الجميع].
٣- بل عن بعضهم التصريح أنّه تحصل الوظيفة و إن لم يقصدها ٤، و لا مانع من إعطاء الثواب بذلك، و له نظائر.
[١] الوسائل ٢: ١٧، ب ٣ من السواك، ح ٤.
[٢] مجمع الفائدة و البرهان ١: ٨٢.
[٣] ٣، ٤ المدارك ١: ١٩٦.