جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٦ - التداخل مع نيّة الجميع
..........
ففيه: أنّ قصارى ما يستفاد منها الاجتزاء بغسل واحد للجميع، و هو أعمّ من ذلك [تأدّي إحدى الوظيفتين بالاخرى] و ممّا ذكرنا سابقاً [من تعدّد المطلوب و الاجتزاء عن المتعدّد بواحد]، بل ظاهر قوله (عليه السلام): «حقوق» خلافه، كظهور قوله (عليه السلام):
«أجزأها» في أنّ ذلك [كفاية غسل واحد عن الأغسال] رخصة، فيفيد بقاء التعدّد حينئذٍ [و ينافي القول بتأدّي إحدى الوظيفتين بالاخرى].
لا يقال: إنّ حمل الدليل على ذلك [تأدّي إحدى الوظيفتين بالاخرى] أولى ممّا ذكرت [من حمله على إجزاء الفعل الواحد عن المتعدّد]؛ لما فيه من بقاء الامتثال و صدق الإطاعة لتلك الأوامر و نحوها، فإنّه على ما ذكرت من المراد بالتداخل ليس فيه امتثالًا لتلك الأوامر.
لأنّا نقول: إنّ في كلا الأمرين مخالفة للظاهر، أمّا على ما ذكرنا فلعدم تحقّق الامتثال لتلك الأوامر، و لظهور الأوامر في المطلوب العيني دون التخييري، و أمّا على ما ذكره الخصم فلمخالفته لظهور التعدّد المستفاد منها، الذي قد عرفت أنّه مجمع عليه في سائر المقامات، و لا ريب أنّ مراعاة هذا الظهور أولى، بل في الحقيقة الظهور الأوّل [أي ظهور الأوامر في المطلوب العيني] يستفاد حيث لا دليل، لا أنّه مفهوم لفظ بحيث يعارض الدليل، بخلاف ما ذكرنا. و أيضاً قد عرفت أنّ ما دلّ على التداخل ظاهر في التعدّد هنا، و أنّ ذلك رخصة، فيجب حينئذٍ الاقتصار على هذا المقدار و البقاء على مقتضاه في غيره.
هذا، و في الذكرى في المقام- أي فيما لو اجتمع الواجب و الندب-: «يشكل من حيث تضادّ وجهي الوجوب و الندب إن نواهما معاً، و وقوع عمل بغير نيّة إن لم ينوهما، إلّا أن يقال: نيّة الوجوب تستلزم نيّة الندب؛ لاشتراكهما في ترجيح الفعل، و لا يضرّ اعتقاد منع الترك، بل هو مؤكّد للغاية، كالصلاة على جنازتي بالغ وصبي لدون ستّ، بل الصلاة الواجبة» [١]. و يقرب منه ما عن الشهيد الثاني، قال- بعد أن نقل عن جماعة من الأصحاب الاجتزاء مع نيّة الجميع-: «و لا يخلو من إشكال؛ لتضادّ الوجه و اعتبار نيّة السبب، و يمكن سقوط اعتبار نيّة السبب هنا و دخوله [الندب] تحت الوجوب، كما في الأذكار المندوبة خلال الصلاة الواجبة و الصلاة على جنازتي من زاد على الست و نقص عنها» [٢] انتهى.
و فيه: أنّ دخول العبادة المستقلّة المندوبة تحت عبادة اخرى مستقلّة أيضاً منويّاً فيها الوجوب ممنوع أشد المنع، و إن استندا [أي الشهيدان] في ذلك [دخول الندب تحت الوجوب] إلى الدليل رجع حينئذٍ إلى الإسقاط، كما أنّ ما ذكر من المثال بالأذكار المندوبة خلال الصلاة الواجبة قياس مع الفارق:
أمّا أوّلًا: فلكون ذلك [الأذكار المندوبة في الصلاة الواجبة] من الأجزاء، لا من العبادات المستقلة.
و أمّا ثانياً: فلأنّه قد يدّعى أنّ الفرد المشتمل على الأذكار المندوبة من جملة أفراد الواجب المخيّر بالنسبة إليها، و إن جاز ترك المندوب فإنّه انتقال إلى فرد آخر، فلا ينافيه نيّة الوجوب حينئذٍ.
و أمّا ما ذكر من المثال بالصلاة على الجنازتين، ففيه: أنّه إن لم يدلّ دليل عليه محل للإشكال أيضاً.
[١] الذكرى ١: ٢٠٥.
[٢] الروض: ١٩.