جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٦٦ - إجزاء الغسل الواجب عن الوضوء لو كان مع الجنابة
..........
٣- و ربّما استدلّ عليه بأنّ غسل الجنابة أقوى من غيره؛ لرفع الأكبر و الأصغر، فمع نيّته و ارتفاعه يرتفع غيره؛ لأنّه أضعف.
و فيه: أ- مع أنّه لا يرجع إلى شيء يعتمد عليه في التكاليف الشرعيّة.
ب- أنّه قد يقال: إنّ حدث الحيض أعظم و لذا يحتاج إلى غسل و وضوء، فلا يرتفع برفع الأضعف.
جمضافاً إلى ما ورد في المرأة إذا كانت في جنابة ثمّ جاءها الحيض: لا تغتسل؛ فإنّه قد جاءها ما هو أعظم من ذلك [١].
٤- و ربّما استدلّ عليه بإطلاق الأخبار الدالّة على الاجتزاء بغسل واحد فإنّه شامل لما نوي به الخصوصيّة.
و فيه: أ- مع أنّ هذا الشمول غير مطّرد عندهم؛ لكونه في الحيض و نحوه معركة للآراء، و في غيره من الأغسال المستحبّة الظاهر عدم الاجتزاء كما ستسمع. ب- أنّ دعوى الشمول ممنوعة؛ لظهور قوله (عليه السلام): «أجزأك عنها» و قوله (عليه السلام):
«يجزيه لهما غسل واحد» في قصد الفعل للجميع. جمع تأيّده بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لكلّ امرئ ما نوى» و قوله (عليه السلام): «لا عمل إلّا بنيّة» و «إنّما الأعمال بالنيّات» و نحو ذلك. د- و قد عرفت أنّ الأصل يقضي بتعدّد المسبّبات، فمقتضاه حينئذٍ الخطاب بأغسال متعدّدة، فلا بدّ من التعيين؛ لاشتراك الفعل بين امور متعدّدة، و قولهم: «لا يجب نيّة السبب» إنّما هو فيما إذا اتّحد.
و أقصى ما دلّت عليه الأخبار إنّما هو الرخصة في الاجتزاء عن هذه الأغسال المتعدّدة بغسل واحد، فصار الغسل الواحد يقع حينئذٍ على وجهين، مجتزياً به عن الجميع و رافعاً للبعض، فلا بدّ للمكلّف من التعيين في إيقاعه على أحد الوجهين، فمتى أوقعه لا بقصد لم يقع لأحدهما، و لو أوقعه لأحدهما لم يقع عن الثاني كما هو واضح. كلّ ذا مع أنّ المتيقّن في الخروج عن الأصل السابق إنّما هو مع قصد الجميع.
و الأجود في الاستدلال عليه في خصوص الجنابة:
١- بالإجماعين المنقولين في السرائر و جامع المقاصد [٢]، و ربّما يظهر من غيرهما.
٢- و ما يشعر به مرسل جميل- المتقدّم- عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم» [٣].
٣- و قد يستدلّ بما دلّ على أنّ غسل الجنابة لا وضوء معه [٤]، و ذلك لأنّه لا معنى للقول بأنّ هذا الغسل لا يجزي عن الجنابة، بل قد يقال: إنّه مخالف للإجماع؛ إذ هو حدث مخاطب برفعه، و هو يقتضي إمكانه، مع أنّ الأمر بالاغتسال للجنابة شامل له فيقتضي الإجزاء، و قد دلّت الأدلّة على أنّ غسل الجنابة متى تحقّق لا وضوء معه، فهو يقتضي رفع الحدث الأصغر حينئذٍ، و هو لا يمكن مع بقاء الأكبر؛ لدخوله في ضمنه حينئذٍ، فلا بدّ من القول بارتفاعه حينئذٍ تحقيقاً لما دلّ على ذلك. و دعوى إيجاب غسل الجنابة مؤخّراً عن سائر الأغسال، التزام بما لا يلتزم. و احتمال القول بإمكان انفكاك الأصغر عن الأكبر كما يقتضيه الوضوء للحائض و غيرها مقدّماً على الغسل، يمكن دفعه بأن يقال: إنّ جواز تقديمه لا يقضي برفعه الأصغر، إذ قد يكون رفعه ذلك موقوفاً على حصول الغسل و إن لم يكن للغسل مدخليّة في رفع الأصغر، بل هو رافع للمانع الذي هو الحدث الأكبر، و بعد رفعه يعمل المقتضي حينئذٍ أثره، و التزام مثله في المقام بعيد عمّا دلّ على إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء، فتأمّل.
[١] الوسائل ٢: ٣١٤، ب ٢٢ من الحيض، ح ٢.
[٢] السرائر ١: ١٢٣. جامع المقاصد ١: ٨٧.
[٣] الوسائل ٢: ٢٦٣، ب ٤٣ من الجنابة، ح ٢.
[٤] انظر الوسائل ٢: ٢٤٦، ب ٣٤ من الجنابة.