جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣١ - تطهير البئر إذا تغيّر أحد أوصاف مائها
..........
أ- إمّا أن لا يطهر بالنزح، و هو خرق الإجماع. ب- أو يطهر فإمّا بنزح الجميع حالتي الضرورة و الاختيار، و هو خرق الإجماع أيضاً. جو إمّا بنزح الجميع حالة الاختيار و بالزوال حالة الضرورة و العجز، و هو الفرق بين الامور المتساوية؛ ضرورة تساوي الحالين في التنجيس. د- أو بالجميع في الاختيار و بالتراوح عند الضرورة؛ قياساً على الأشياء المعينة لنزح الجميع، و هو قياس أحد المختلفين على الآخر؛ ضرورة عدم النصّ الدالّ على الإلحاق. هأو نزح شيء معيّن، و هو خرق الإجماع؛ ضرورة عدم القائل به من الأصحاب.
لا يقال: لا نسلّم تساوي حالتي الاختيار و الضرورة.
لأنّا نقول: نعني بالتساوي هاهنا اتّحادهما في الحكم بالتنجيس؛ لسقوط التعليل بالمشقة و الحرج في نظر الشرع، إذ هو حوالة على وصف خفيّ مضطرب، و مثل هذا لا يجعله الشارع مناطاً للحكم.
٥- و لأنّه [البئر] يشبه الجاري بمادته فيشبهه في الحكم. و قد نصّ الرضا (عليه السلام) على هذه العلّة، و لا شكّ أنّ الجاري يطهر بتواتر جريانه حتى يزول التغيير، فكذا البئر إذا زال التغيير بالنزح يعلم حصول الجريان من النابع الموجب لزوال التغيير» [١].
و فيه- مع أنّه منافٍ للأولوية؛ إذ من البيّن أنّه إذا نزح له الجميع مثلًا مع عدم التغيير أو غير ذلك من المقدّرات، فمعه بطريق أولى، و كيف يعقل ذلك مع أنّ التغيّر هو ذلك السبب و زيادة؟ لا أقلّ من بقاء مقتضي السبب الأوّل-: أنّه منافٍ لمقتضى الجمع بين الأدلّة؛ لأنّه في الحقيقة حينئذٍ تخصيص لتلك الأدلّة الدالّة على المقدّرات بأسرها، مع أنّ التعارض بينهما العموم من وجه، و الترجيح و الاحتياط بغير ما ذكر، و لذلك كان المشهور على خلافه. على أنّ هذه الأخبار قد عرفت أنّ القائلين بالنجاسة قد أعرضوا عن بعض ما تضمّنته من عدم التنجيس بغير التغيير، و ذلك ممّا يراعى عند الترجيح بين الأخبار.
و ما يقال من إنكار الأولوية، و من أنّ أخبار التقادير مبنيّة على عدم التغيير، لا وجه له؛ لمكان ظهور الأولوية ظهوراً لا يكاد ينكر. و لئن سلّم فلا ريب في تناول قوله (عليه السلام): موت البعير مثلًا ينزح له كذا، لما نحن فيه و غيره، مع أنّ التغيير ببقائه ميتاً في البئر لا يرفع السبب الأوّل؛ إذ هو إن لم يكن مؤثّراً زائداً على التقدير فلا أقلّ من أن لا يؤثّر. و لا معنى لقوله: «إنّ أخبار التقدير مبنية على عدم التغيير»؛ لعدم دلالة تلك الأخبار على الاشتراط المذكور بوجه من الوجوه. نعم، هي دالّة على أنّ هذا المقدار من النزح واجب و إن لم يحصل التغيير، لا أنّه مأخوذ فيها عدم التغيّر.
و ما يقال: إنّ بعض الأسئلة قد اشتملت عمّا له مقدّر، مع اشتمال الجواب أنّه إن لم يتغيّر البئر بها فكذا، و إن تغيّر فانزح حتى يذهب الريح و يطيب الطعم. ففيه: كون المقصود منه أنّه مع التغيير لا يكتفى بالمقدّر، بل لا بدّ من زواله و إن استوفيته، فيكون إشارة إلى نزح أكثر الأمرين؛ و لعلّ ذلك من جهة غلبة احتياج ما ذكر في السؤال في زوال التغيير إلى أزيد من المقدّر، كما يومئ إليه قوله (عليه السلام): «إذا لم [يتفسّخ أو لم] يتغيّر طعم الماء فيكفيك خمس دلاء، و إن تغيّر فخذ منه حتى يذهب الريح» [٢]؛ لظهوره في أنّه إذا كان كذلك فلا يكفيك خمس دلاء، بل لا بدّ من النزح حتى يذهب الريح و إن بلغ المائة.
[١] المنتهى ١: ١٠٢.
[٢] الوسائل ١: ١٨٤، ب ١٧ من الماء المطلق، ح ٧.