جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٢ - تطهير البئر إذا تغيّر أحد أوصاف مائها
..........
و الإنصاف: أنّ الأخبار غير ظاهرة فيما كان زوال التغيير محتاجاً إلى أنقص من المقدّر، بل إن لم تكن دالّة على العدم فلا أقلّ من عدم الدلالة، فلا شاهد بها حينئذٍ، على أنّها معارضة بأخبار نزح الجميع و غيرها.
و أمّا ما ذكره في المنتهى، ففي الأوّل: أنّ دعوى [كون] العلّة [هي] التغيّر محل منع، بل العلّة في النجاسة حاصلة قبله، و كأنّ ذلك منه مبني على القول بطهارة البئر و عدم نجاستها إلّا بالتغيّر، و الكلام ليس فيه.
بل قد يقال: إنّ استصحاب النجاسة محكّم و إن كان منشأها التغيير، و يكون حاله كحال الماء المحقون البالغ كرّاً إذا زال التغيير من قبل نفسه، فإنّ الأصح بقاء النجاسة للاستصحاب، و إن كان فيه بحث ليس هذا محلّه.
و في الثاني: أنّه قياس لا نقول به، و كأنّه ذكره (رحمه الله) على لسان العامّة، أو أنّه اشتباه منه أنّه ليس بقياس، أو يكون المراد منه أنّه عين الأوّل لكن بتقرير آخر، أو غير ذلك.
و في الثالث: منع أنّه عسر و حرج، و لذلك جاء التعبّد به في كثير من مواضع النزح. و أيضاً لو سلّمنا كونه عسراً و حرجاً فلا يقضي بصحّة ما ادّعاه، فإنّ هناك قولًا آخر و هو القول بأكثر الأمرين، بل هو الأقوى كما ستسمع إن شاء اللّٰه.
و في الرابع:- مع كونه غير جارٍ فيما قوّيناه من الأكثر- أنّه لا تساوي عقلًا و لا شرعاً و لا عرفاً، و لعلّ القائل بذلك مستند إلى أخبار زوال التغيير بنفسها، إلّا أنّه خرج حالة الاختيار بدليل، فبقيت حالة الاضطرار داخلة. و قوله: «إنّ القول بالتراوح عند الاضطرار قياس أحد المختلفين ... إلى آخره». فيه: ما عرفت أنّه ظاهر أخبار التراوح، مع فهم الأصحاب جريانه في كلّ ما ينزح له الجميع و تعذّر لغلبته، و لذلك أجروه فيما لا نصّ فيه بناءً على أنّه ينزح له الجميع، فتأمّل.
و في الخامس: أنّه لا تشبيه أوّلًا، و قوله: «لأنّ له مادة» لا يقضي بذلك، غايته استفادة المادة للجاري و للبئر منه، و أين ذلك ممّا ذكر! و ثانياً: أنّه مبنيّ على القول بطهارة البئر إلّا بالتغيّر، و فرض كلامنا على تقدير النجاسة، فتأمّل.
الثاني من الأقوال: وجوب نزح أكثر الأمرين من المقدّر و ما يزول به التغيير، هذا في المنصوص الذي نصّه غير نزح الجميع. و أمّا فيه و فيما لا نصّ فيه فينزح الجميع، و مع التعذّر فالتراوح، كما عن ابني إدريس و زهرة و العلّامة في المختلف و الشهيد الثاني في الروض [١]. و هو الأقوى؛ جمعاً بين الأدلّة، ضرورة عدم البحث فيه حيث يتساوى المقدّر و ما به يزول التغيير، أو إذا زاد ما زال به التغيير، إنّما الكلام فيما إذا زاد المقدّر، و المتّجه وجوبه؛ لشمول دليله له المعتضد بالأصل، و حصول التغيير لا يرفعه. و ما دلّ على الاكتفاء بالنزح حتى يزول التغيير لا يقضي بطهارة البئر من كلّ جهة، بل إن قضى فهو بالمفهوم المعارَض بما دلّ على وجوب المقدّر الظاهر في توقّف الطهارة عليه. بل ينبغي أن يجب تمام المقدّر بعد زوال التغيير- كما يظهر من بعضهم [٢]- لو لا ما يظهر من الأخبار أنّ المقصود زوال التغيير على أي وجه يكون و لو باستيفاء المقدّر. فإنّ قوله: «انزح حتى يزول التغيير» يصدق على نازح المقدّر أنّه نزح حتى زال التغيير، و النيّة غير معتبرة، فيتّجه حينئذٍ دعوى دخول الأقلّ هنا في الأكثر؛ لأنّه ينحلّ عند التأمّل إلى أنّ موت الكلب في البئر مثلًا انزح له أربعين، و إن تغيّرت البئر فأزل التغيير بنزح كائناً ما كان، فإن أزلت التغيير بنزح المقدّر امتثلتهما قطعاً، لكن لمّا كان في الغالب أنّ التغيير يحتاج إلى نزح أزيد من التقدير علّق الحكم على زواله، فتأمّل.
[١] السرائر ١: ٧٢. الغنية: ٤٨. المختلف ١: ١٩٠. الروض: ١٤٣.
[٢] نسبه في المقتصر (٣٩- ٤٠) إلى المعتبر، و لم نعثر عليه.