جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩١ - ما ينزح له كرّ
..........
قال [في المدارك]: «الخامس: قوله: «و أيضاً المساواة حاصلة من حيث الحكم بوجوب نزح الدلاء». قلنا: هذا الخيال واضح الفساد؛ فإنّه لا يكاد يفهم من هذا الإطلاق إلّا تساوي الامور المذكورة في قدر النزح، فلو كانت مختلفة في ذلك لزم الإغراء بالجهل و الخطاب بما له ظاهر مع إرادة خلاف ظاهره، و قد ثبت امتناعه في الاصول» [١] انتهى.
و فيه: أنّ مدار الجمع بين الأخبار إنّما هو حمل ماله ظاهر على خلاف ظاهره بعد ترجيح المعارض، فمقصوده بهذا التساوي: أنّه بعد دلالة الأدلّة على حكم تلك الأفراد و كانت مختلفة، يعلم من ذلك أنّ مقصود الإمام (عليه السلام) بالجواب إنّما هو القدر المشترك بين الجميع، و كان تأخير البيان لمقام آخر، أو كانوا عالمين بذلك، و ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لعدم العلم بكونه وقت حاجته.
قال [في المدارك]: «السادس: قوله: «و يمكن التمحّل بأن يحمل الدلاء على ما يبلغ الكرّ؛ جمعاً بين المطلق و المقيّد».
قلنا: هذا التمحّل واضح الفساد أيضاً؛ فإنّ إطلاق لفظ الدلاء و إرادة الكثرة من غير زيادة و لا نقصان يكاد أن يلحق بالهذر و الهذيان [فلا ينبغي أن ينسب] إلى سادات الأنام و أبواب الملك العلّام عليهم أفضل الصلاة و السلام، و مع ذلك كلّه فالمقيّد الذي ادّعاه غير موجود، و لو ثبت وجوده لكان فيه غنية عن هذه التمحّلات الواهية و التكلّفات الباردة» ٢ انتهى.
أ- و أنت خبير بأنّ مثل هذا الكلام لا يناسب في جنب مثل العلّامة آية اللّٰه في العالمين مع اعترافه بأنّه تمحّل، و كأنّ ما ذكره هذا المعترض هو وجه التمحّل.
ب- على أنّه يمكن أن يقال: إنّ العلّامة أراد بالمقيّد رواية عمرو بن سعيد بن هلال الواردة في الحمار [٣]، و ذلك لأنّه لمّا كان الحمار و البغل و غيرهما داخلة في لفظ الدابة في صحيحة الفضلاء، ثمّ إنّه بيّن مقدار الدلاء في فرد من أفراد الدابة، فله أن يقول: إنّ هذا الحكم بيان للدلاء التي هي حكم الدابة، لا سيّما مع القطع بعدم إرادة الإطلاق للإجماع. و الحمل على تخصيص لفظ الدابة ليس بأولى ممّا ذكرنا، بل هو أولى.
جعلى أنّ المشهور شهرة كادت تكون إجماعاً، بل سمعت ما في الغنية [٤] من الإجماع على الخيل و شبهها، أنّ الكرّ ينزح لجميعها، فبمعونة ذلك يتّجه ما تقدّم.
د- أو يمكن فهم التقييد منها بطريق آخر، بأن يقال: إنّ قوله: «حتى بلغت الحمار ... إلى آخره» يراد به أنّي بلغت لهذا و نحوه في الجسم من الحيوان، فيدخل فيه الفرس و البقرة.
و كيف كان، فلا ينبغي إساءة الأدب مع مثل العلّامة مع اعترافه بالتمحّل و إمكان توجيهه بما ذكرنا.
هذا كلّه، مع أنّ عبارة المعترض لا تخلو من مناقشة واضحة للمتأمّل، كوضوح فساد ما بقي له من الاعتراضين [السابع و الثامن].
[١] ١، ٢ المدارك ١: ٧٢.
[٣] الوسائل ١: ١٨٠، ب ١٥ من الماء المطلق، ح ٥.
[٤] تقدّم في ص ١٨٦.