جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨٨ - ما ينزح له كرّ
..........
فنقول: لا معنى لحمله على الأوّل، و إلّا لعمّ و هو باطل؛ لما يأتي، فيجب حمله على الثاني. فنقول: الألف و اللام في الدابة ليست للعهد؛ لعدم سبق معهود ترجع إليه، فإمّا أن يكون للعموم كما ذهب إليه الجبائيّان أو لتعريف الماهية على المذهب الحق، و على التقديرين يلزم العموم في كلّ مركوب: أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّ تعليق الحكم على الماهية يستدعي ثبوته في جميع صور وجودها و إلّا لم يكن علّة، [و] هذا خلف، و إذا ثبت فيه دخل فيه الحمار و الفرس و البغل و الإبل- و البقر نادراً- غير أنّ الإبل و الثور خرجا بما دلّ بمنطوقه على نزح الجميع، فيكون الحكم ثابتاً في الباقي. فإن قلت: يلزم التسوية بين ما عدّده الإمام (عليه السلام).
قلت: خرج ما استثني لدليل منفصل، فيبقى الباقي لعدم المعارض، و أيضاً التسوية حاصلة من حيث الحكم بوجوب نزح الدلاء و إن افترقت بالقلّة و الكثرة، و ذلك شيء لم يتعرّضا له (عليهما السلام). إلّا أنّ لقائل أن يقول: إنّ ما ذكرتموه لا يدلّ على [لزوم] بلوغ الكرّية [في النزح]. و يمكن التمحّل بأن يحمل الدلاء على ما يبلغ الكرّ؛ جمعاً بين المطلق و المقيد، خصوصاً مع الإتيان بصيغة جمع الكثرة.
لا يقال: إن حُمل الجمع على الكثرة استحال إرادة القلّة منه، و إلّا لزم الجمع بين إرادتي الحقيقة و المجاز، و إن حُمل على القلّة فكذلك [استحال إرادة الكثرة].
لأنّا نقول:
١- لا نسلّم استحالة الثاني.
٢- سلّمناه لكن إن حمل على معناه المجازي و هو مطلق الجمع لم يلزم ما ذكرتم.
٣- على أنّ لنا في كون الصيغ المذكورة حقائق أو مجازات في الكثرة نظراً.
و بعض المتأخرين استدلّ بهذه الرواية على وجوب النزح للحمار دون الفرس و البقرة، و ألحقهما بما لم يرد فيه نصّ، و قد روى مثل هذه الرواية البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)» [١] انتهى. و نقلناه برمّته لما فيه من الفوائد العظيمة الجليلة، النافعة في المقامات المتعدّدة.
و اعترضه في المدارك بثمانية وجوه، و يمكن للناظر أن يجعل في كلّ من الثمانية ثمانية من النظر، قال فيها: «الأوّل:
مقتضى كلامه (رحمه الله) أنّ الدابة حقيقة فيما يركب حيث حمل النصّ عليه، و هو غير واضح، و كلام الجوهري لا يدلّ عليه؛ فإنّ الإطلاق أعمّ من الحقيقة و المجاز، و قد صرّح بعض محقّقي أهل اللغة بأنّ أكثر اللغات مجازات، مع ما قد اشتهر أنّ الدابة منقولة إلى ذات القوائم الأربع من الخيل و البغال و الحمير، و ذكر جماعة أنّها مختصّة بالفرس. سلّمنا أنّها حقيقة فيما يركب، لكن البقر إنّما يركب نادراً كما اعترف به، و الألفاظ إنّما تحمل على المعنى المتعارف لا النادر الغير المشهور» [٢] انتهى.
و فيه:
١- أنّه مبني على ما هو الظاهر من كلام الجوهري من ذكره المعنيين للدابّة مع التصريح بقوله في الثاني: «اسم»، و لم يكتف بعطفه على الأوّل؛ إذ لم يعهد إطلاق لفظ الاسم على المعنى المجازي، كأن يقال: الأسد اسم للرجل الشجاع.
٢- على أنّ هذا سدّ لباب التمسّك بقول اللغوي من دون ثبوت من خارج، و فيه ما لا يخفى.
[١] المنتهى ١: ٧٤.
[٢] المدارك ١: ٧١.