جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٢ - كيفيّة تنجّس ماء البئر
..........
٦- و لا استبعاد في خفاء هذا الحكم على المتقدّمين و ظهوره لغيرهم؛ لأنّ مثله غير عزيز، فكم من حكم خفي عليهم و ظهر لغيرهم في الاصول و الفروع، و ربّما سمعت أنّ المرتضى [١] و غيره قد ادّعى الإجماع على عدم جواز العمل بأخبار الآحاد الذي لا ينبغي الشكّ في بطلانه. و أمّا أخبار النزح، فلا دلالة في شيء منها على النجاسة، بل هي إن حملت على ظاهرها من الوجوب اتّجه مذهب العلّامة [أي الوجوب التعبّدي]، و إن حملناها على الاستحباب كما يدّعيه المشهور فلا إشكال حينئذٍ. و ستسمع تحقيق الحال فيها إن شاء اللّٰه. و لا حاجة إلى بيان فساد باقي المؤيّدات التي ذكرناها للقول بالنجاسة. هذا، و نقل عن البصروي [٢] التفصيل في حكم البئر بين أن يكون كرّاً أو لا. و قال بعضهم: إنّه لازم للعلّامة؛ لاشتراطه الكرّية في الجاري و ليست البئر أولى منه [٣]. و فيه [إلزام العلّامة]: أنّه قد يكون للبئر حكم بالخصوص؛ فإنّ لها أحكاماً كثيرة قد اختصّت بها سواء كان ماؤها قليلًا أو كثيراً لمكان الأخبار، و لذا حكم المشهور بعدم نجاسة الكرّ مع قولهم: إنّ البئر إذا بلغت مائة كرّ تنجس بالملاقاة.
و كيف كان، فمستنده [التفصيل]: ١- بعد عموم ما دلّ على اشتراط الكرّ في الماء. ٢- رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا كان الماء في الركي كرّاً لم ينجّسه شيء» [٤]. ٣- و ما عن الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام):
«كلّ بئر عمق مائها ثلاثة أشبار و نصف في مثلها فسبيلها سبيل [الماء] الجاري، إلّا أن يتغيّر لونها و طعمها و رائحتها» [٥].
٤- و في رواية أبي بصير: عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة، فقال: «لا بأس به إذا كان فيها ماء كثير» [٦].
و فيه:
١- بعد إمكان دعوى الإجماع المركّب و تواتر الأخبار على خلافه؛ فإنّ أخبار الطرفين حجّة عليه.
٢- أنّ بين ما دلّ على اشتراط الكرّية في الماء و بين أدلّة المقام عموماً من وجه، و الترجيح لهذه من وجوه كثيرة.
٣- و رواية الحسن بن صالح الثوري: أ- مع أنّها ضعيفة السند به؛ إذ قال الشيخ: إنّه «زيدي بتري متروك الحديث فيما يختص به» [٧]. ب- و موافقة للعامّة. جو دلالتها بالمفهوم. د- [أنّها] محتملة لأن يراد بالركي المصانع التي ليست آباراً، و هو و إن كان بعيداً إلّا أنّه لا مانع منه بعد مخالفته لما سمعته. هأو [يحتمل] أنّ المراد به أنّه و إن انقطع نبعها كما يتّفق في بعض الأحيان.
٤- و مثله جارٍ في عبارة الفقه الرضوي، على أنّ دلالته أضعف من رواية الحسن.
٥- و أمّا رواية أبي بصير، فلعلّ المراد باشتراط الكثير من جهة خوف حصول التغيّر، و هو قريب جداً.
و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في عدم الركون لهذا المذهب لو صحّت روايته و تعدّدت بعد إعراض الأصحاب، فكيف و هي بهذه المكانة من الضعف في السند و القصور في الدلالة!
[١] رسائل المرتضى ٣: ٣٠٩.
[٢] نقله في الذكرى ١: ٨٤.
[٣] المدارك ١: ٥٥.
[٤] الوسائل ١: ١٦٠، ب ٩ من الماء المطلق، ح ٨.
[٥] فقه الرضا (عليه السلام): ٩١. المستدرك ١: ٢٠١، ب ١٣ من الماء المطلق، ح ٣.
[٦] الوسائل ١: ١٧٤، ب ١٤ من الماء المطلق، ح ١٥، و الرواية عن عمّار.
[٧] التهذيب ١: ٤٠٨، ذيل الحديث ١٢٨٢.