المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٣ - ٣- العقل العملي و النظري
و على هذا فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن و القبح إنكار واقعيتهما بهذا المعنى من الواقعية فهو صحيح. و لكن هذا بعيد عن أقوالهم لأنه لما كانوا يقولون بحسن الأفعال و قبحها بعد حكم الشارع فإنه يعلم منه أنه ليس غرضهم ذلك لأن حكم الشارع لا يجعل لهما واقعية و خارجية. كيف و قد رتبوا على ذلك بأن وجوب العرفة و الطاعة ليس بعقلي بل شرعي. و إن كان غرضهم إنكار إدراك العقل كما هو الظاهر من أقوالهم فسيأتي تحقيق الحق فيه و أنهم ليسوا على صواب في ذلك.
٣- العقل العملي و النظري
إن المراد من العقل- إذ يقولون أن العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن و القبح- هو (العقل العملي (في مقابل (العقل النظري).
و ليس الاختلاف بين العقلين إلا بالاختلاف بين المدركات، فإن كان المدرك- بالفتح- مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل حسن العدل و قبح الظلم فيسمى إدراكه (عقلا عمليا) و إن كان المدرك مما ينبغي أن يعلم مثل قولهم: «الكل أعظم من الجزء» الذي لا علاقة له بالعمل، فيسمى إدراكه (عقلا نظريا).
و معنى حكم العقل- على هذا- ليس إلا إدراك أن الشيء مما ينبغي أن يفعل أو يترك. و ليس للعقل إنشاء بعث و زجر و لا أمر و نهي إلا بمعنى أن هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل، أي يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل و فعل ما ينبغي.
إذن- المراد من الأحكام العقلية هي مدركات العقل العملي و آراؤه.
و من هنا تعرف أن المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الأول، أن المراد به هو العقل النظري، لأن الكمال و النقص مما ينبغي أن يعلم، لا مما ينبغي أن يعمل. نعم إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه، فإنه يدرك معه أنه ينبغي فعله أو تركه فيستعين العقل