المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٥ - ٤- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح
و كل من هذين الإدراكين- أعني إدراك الكمال أو النقص، و إدراك الملاءمة أو عدمها- يكون على نحوين:
١- أن يكون الإدراك لواقعة جزئية خاصة، فيكون حكم الإنسان بالحسن و القبح بدافع المصلحة الشخصية. و هذا الإدراك لا يكون بقوة العقل، لأن العقل شأنه إدراك الأمور الكلية لا الأمور الجزئية، بل إنما يكون إدراك الأمور الجزئية بقوة الحس أو الوهم أو الخيال، و إن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذما لفاعله و لكن هذا المدح أو الذم لا ينبغي أن يسمى عقليا بل قد يسمى- بالتعبير الحديث- (عاطفيا) لأن سببه تحكيم العاطفة الشخصية و لا بأس بهذا التعبير.
٢- أن يكون الإدراك لأمر كلي، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس، كالعلم و الشجاعة، أو لكونه فيه مصلحة نوعية كمصلحة العدل لحفظ النظام و بقاء النوع الإنساني. فهذا الإدراك إنما يكون بقوة العقل بما هو عقل، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء.
و كذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك و يستتبع ذما من جميع العقلاء. فهذا المدح و الذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيين- فإنه يعتبر من الأحكام العقلية التي هي موضع النزاع.
و هو معنى الحسن و القبح العقليين الذي هو محل النفي و الإثبات.
و تسمى هذه الأحكام العقلية العامة (الآراء المحمودة) و (التأديبات الصلاحية). و هي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات، كما توهمه بعض الناس و منهم الأشاعرة كما سيأتي في