المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٩ - ١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
لأنها نقصان في وجود النفس و قوتها. و لا ينافي ذلك أنه يقال للأولى حسنة و للثانية قبيحة باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.
و ليس للأشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن و القبح بهذا المعنى، بل جملة منهم يعترفون بأنهما عقليان، لأن هذه من القضايا اليقينيات التي وراءها واقع خارجي تطابقه، على ما سيأتي.
ثانيا: أنهما قد يطلقان و يراد بهما الملاءمة للنفس و المنافرة لها، و يقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال و متعلقاتها من أعيان و غيرها.
فيقال في المتعلقات: هذا المنظر حسن جميل. هذا الصوت حسن مطرب، هذا المذوق حلو حسن ... و هكذا.
و يقال في الأفعال: نوم القيلولة حسن. الأكل عند الجوع حسن.
و الشرب بعد العطش حسن. و هكذا.
و كل هذه الأحكام لأن النفس تلتذ بهذه الأشياء و تتذوقها لملاءمتها لها.
و بضد ذلك يقال في المتعلقات و الأفعال: هذا المنظر قبيح.
ولولة النائحة قبيحة. النوم على الشبع قبيح ... و هكذا. و كل ذلك لأن النفس تتألم أو تشمئز من ذلك.
فيرجع معنى الحسن و القبح- في الحقيقة- إلى معنى اللذة و الألم، أو فقل إلى معنى الملاءمة للنفس و عدمها، ما شئت فعبر فإن المقصود واحد.
ثم أن هذا المعنى من الحسن و القبح يتسع إلى أكثر من ذلك، فإن الشيء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذة أو ألما، و لكنه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذ به النفس أو تتألم منه يسمى أيضا حسنا أو قبيحا، بل قد يكون الشيء في نفسه قبيحا تشمئز منه النفس كشرب الدواء المر و لكنه باعتبار ما يعقبه من الصحة و الراحة التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتي يدخل فيما يستحسن. كما قد يكون الشيء بعكس ذلك حسنا تلتذ به النفس كالأكل اللذيذ المضر بالصحة، و لكن ما يعقبه من مرض أعظم من اللذة الوقتية يدخل فيما يستقبح.