المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٨ - ١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
و منها ما ليس له هذان الوصفان. و الشارع لا يأمر إلا بما هو حسن و لا ينهى إلا عما هو قبيح، فالصدق في نفسه حسن و لحسنه أمر اللّه تعالى به، لا أنه أمر اللّه تعالى به فصار حسنا، و الكذب في نفسه قبيح و لذلك نهي اللّه تعالى عنه، لا أنه نهى عنه فصار قبيحا.
هذه خلاصة الرأيين: و أعتقد عدم اتضاح رأي الطرفين بهذا البيان، و لا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبينها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لأحد الطرفين. و هو أمر ضروري مقدمة للمسألة الأصولية، و لتوقف وجوب المعرفة عليه.
فلا بد من بسط البحث بأوسع مما أخذنا على أنفسنا من الاختصار في هذا الكتاب، لأهمية هذا الموضوع من جهة، و لعدم اعطائه حقه من التنقيح في أكثر الكتب الكلامية و الأصولية من جهة أخرى.
و أكلفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حررته في الجزء الثالث من المنطق ص ١٧- ٢٣ عن القضايا المشهورات، لتستعينوا به على ما هنا.
و الآن اعقد البحث هنا في أمور:
١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
إن الحسن و القبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاث معان، فأي هذه المعاني هو موضوع النزاع؟ فنقول:
أولا: قد يطلق الحسن و القبح و يراد بهما الكمال و النقص. و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية و لمتعلقات الأفعال. فيقال مثلا: العلم حسن، و التعلم حسن، و بضد ذلك يقال: الجهل قبيح و إهمال التعلم قبيح.
و يراد بذلك أن العلم و التعلم كمال للنفس و تطور في وجودها، و أن الجهل و إهمال التعلم نقصان فيها و تأخر في وجودها.
و كثير من الأخلاق الإنسانية حسنها و قبحها باعتبار هذا المعنى، فالشجاعة و الكرم و الحلم و العدالة و الانصاف و نحو ذلك إنما حسنها باعتبار أنها كمال للنفس و قوة في وجودها. و كذلك أضدادها قبيحة