المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٧ - ٤- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح
و القبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم. و لكن إنما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك إلى المدح و الذم. و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن (الخلقيات) في المنطق (ج ٣ ص ٢٠) لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنساني بهذه المشهورات.
الرابع: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح (الانفعال النفساني)، نحو الرقة و الرحمة و الشفقة و الحياء و الأنفة و الحمية و الغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها إنسان غالبا.
فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان أتباعا لما في الغريزة من الرقة و العطف، و الجمهور يمدح من يعين الضعفاء و المرضى و يعني برعاية الأيتام و المجانين بل الحيوانات لأنه مقتضى الرحمة و الشفقة. و يحكم بقبح كشف العورة و الكلام البذيء لأنه مقتضى الحياء. و يمدح المدافع عن الأهل و العشيرة و الوطن و الأمة لأنه مقتضى الغيرة و الحمية ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامة بين الناس.
و لكن هذا الحسن و القبح لا يعدان حسنا و قبحا عقليين، بل ينبغي أن يسميا عاطفيين أو انفعاليين. و تسمى القضايا هذه عند المنطقيين ب (الانفعالات). و لأجل هذا لا يدخل هذا الحسن و القبح في محل النزاع مع الأشاعرة، و لا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الأحكام، لأنه ليس للشارع هذه الانفعالات. بل يستحيل وجودها فيه لأنها من صفات الممكن. و إنما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن و القبح في الآراء المحمودة و التأديبات الصلاحية- على ما سيأتي- فباعتبار أن الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء و لكن لا يجب أن يحكم يحكمهم بما هم عاطفيون. و لا نقول أن الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.
الخامس: و من الأسباب (العادة عند الناس)، كاعتيادهم احترام القادم