المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٤ - المبحث الثاني إدراك العقل للحسن و القبح
و الأحسن تصوير الدليل على وجه آخر، فنقول:
إنه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر و النواهي الشرعية و كذلك وجوب المعرفة. و هذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب؟ لا بد أن يثبت بأمر من الشارع. فننقل الكلام إلى هذا الأمر، فنقول لهم: من أين تجب طاعة هذا الأمر، فإن كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب، و إن كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر و لا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه ... و هكذا نمضي إلى غير النهاية. و لا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع. و هو المطلوب.
بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين و التقبيح العقليين، و لو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها، لأنا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية.
و النتيجة: إن ثبوت الحسن و القبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا.
المبحث الثاني إدراك العقل للحسن و القبح
بعد ما تقدم من ثبوت الحسن و القبح العقليين في الأفعال، فقد نسب بعضهم إلى جماعة الإخباريين- على ما يظهر من كلمات بعضهم- إنكار أن يكون للعقل حق إدراك ذلك الحسن و القبح. فلا يثبت شيء من الحسن و القبح الواقعيين بإدراك العقل.
و الشيء الثابت قطعا عنهم على الإجمال القول بعدم جواز الاعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في إثبات الأحكام الشرعية.
و قد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم:
١- إنكار إدراك العقل للحسن و القبح الواقعيين. و هذه هي مسألتنا التي عقدنا لها هذا المبحث الثاني.