المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٥٠٢ - بقي تنبيهان
منهما- حكما مستقلا مع قطع النظر عن وقوع المزاحمة بينهما، كما أن المفروض أن دليل كل منهما مطلق بالقياس إلى صورتي فعل الآخر و عدمه.
فإذا وقع التزاحم بينهما اتفاقا، فبحسب اطلاقهما يقتضيان إيجاب الجمع بينهما، و لكن ذلك محال، فلا بد أن ترفع اليد عن اطلاق أحدهما، و لكن المفروض أن الأهم أولى و أرجح و لا يعقل تقديم المرجوح على الراجح و المهم على الأهم فيتعين رفع اليد عن اطلاق دليل الأمر بالمهم فقط، و لا يقتضي ذلك رفع اليد عن أصل دليل المهم، لأنه إنما نرفع اليد عنه من جهة تقديم اطلاق الأهم لمكان المزاحمة بينهما و أرجحية الأهم و الضروريات إنما تقدر بقدرها.
و إذا رفعنا اليد عن اطلاق دليل المهم مع بقاء أصل الدليل فإن معنى ذلك اشتراط خطاب المهم بترك الأهم. و هذا هو معنى الترتب المقصود.
و الحاصل: إن معنى الترتب المقصود هو اشتراط الأمر بالمهم بترك الأهم، و هذا الاشتراط حاصل فعلا بمقتضى الدليلين، مع ضم حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين امتثالهما معا، و بتقديم الراجح على المرجوح الذي لا يرفع إلا اطلاق دليل المهم، فيبقى أصل دليل الأمر بالأهم على حاله في صورة ترك الأهم فيكون الأمر الذي يتضمنه الدليل مشروطا بترك الأهم.
و بعبارة أوضح: إن دليل المهم في أصله مطلق يشمل صورتين:
صورة فعل الأهم و صورة تركه، و لما رفعنا اليد عن شموله لصورة فعل
و ما نحن فيه في مبحث الترتب هو من مصاديق هذه القاعدة لأنه عند وقوع المزاحمة بين الصلاة و الازالة و فرض أن الأهم هو الازالة يدور أمر وجوب الصلاة بين إسقاطه بالكلية في صورة التزاحم حتى يكون الصلاة غير واجبة عند التزاحم و بين تقييده حتى يكون وجوب الصلاة مقيدا في صورة ترك الأهم.
فإذا فرضنا إمكان التقييد كما هو مبنى القائل بالترتب لا بد من الحكم بالتقييد و عدم جواز رفع اليد عن أصل وجوب الصلاة في صورة التزاحم.