المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٦ - المبحث الثالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل و حكم الشرع
و الحق أن الملازمة ثابتة عقلا، فإن العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه- أي أنه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام و بقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك- فإن الحكم هذا يكون بادي رأي الجميع فلا بد أن يحكم الشارع بحكمهم، لأنه منهم بل رئيسهم. فهو بما هو عاقل- بل خالق العقل- كسائر العقلاء لا بد أن يحكم بما يحكمون. و لو فرضنا أنه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع، و هذا خلاف الفرض.
و بعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى، و هي أنه لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل كقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ* فهذا الأمر من الشارع هل هو أمر مولوي أي أنه أمر منه بما هو مولى، أو أنه أمر إرشادي أي أنه أمر لأجل الإرشاد إلى ما حكم به العقل، أي أنه أمر منه بما هو عاقل؟ و بعبارة أخرى أن النزاع هنا في أن مثل هذا الأمر من الشارع هل هو أمر تأسيسي، و هذا معنى أنه مولوي أو أنه أمر تأكيدي و هو معنى أنه إرشادي؟.
لقد وقع الخلاف في ذلك، و الحق أنه للإرشاد حيث يفرض أن حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن و اندفاع إرادته للقيام به، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانيا، بل يكون عبثا و لغوا، بل هو مستحيل لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل.
و عليه، فكل ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا.
نعم لو قلنا بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح و الذم فقط، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب و العقاب من قبل المولى، أو أنه يلزم منه ذلك بل هو عينه و لكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن ألا يكون نفس إدراك استحقاق المدح و الذم كافيا لدعوة كل أحد إلى الفعل إلا للأفذاذ من الناس، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتب على موافقته الثواب و على مخالفته العقاب في مقام