المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٢ - ٢- واقعية الحسن و القبح في معانيه و رأي الأشاعرة
بل حسن الشيء يتوقف على وجود الذوق العام أو الخاص، فإن الإنسان هو الذي يتذوق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشيء ملائما لنفسه، فيكون حسنا عنده، أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشيء كان حسنا عند قوم قبيحا عند آخرين. و إذا اتفقوا في ذوق عام كان ذلك الشيء حسنا عندهم جميعا، أو قبيحا كذلك.
و الحاصل أن الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال، و ليس واقعية هذه الصفة إلا إدراك الإنسان و ذوقه فلو لم يوجد إنسان يتذوق و لا من يشبهه في ذوقه لم تكن للأشياء في حد أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.
و هذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الألوان، إذ يقال إنها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقية هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها، و ليس كل واحد من الألوان إلا طيفا أو أطيافا فأكثر تركبت.
و هكذا نقول في حسن الأشياء و جمالها بمعنى الملاءمة، و الشيء الواقعي فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء كالطعم و الرائحة و نحوهما، الذي هو كالصفة في الجسم إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء.
كما أن نفس اللذة و الألم أيضا أمران واقعيان و لكن ليسا هما الحسن و القبح اللذان ليسا هما من صفات الأشياء، و اللذة و الألم من صفات النفس المدركة للحسن و القبح.
٢- و أما (الحسن بمعنى ما ينبغي أن يفعل عند العقل) فكذلك ليس له واقعية إلا إدراك العقلاء، أو فقل تطابق آراء العقلاء. و الكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة. و سيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح و الذم أو إدراك العقل للحسن و القبح.