المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٠ - ١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
و الإنسان بتجاربه الطويلة و بقوة تمييزه العقلي يستطيع أن يصنف الأشياء و الأفعال إلى ثلاثة أصناف: ما يستحسن، و ما يستقبح، و ما ليس له هاتان المزيتان. و يعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة و المنافرة و لو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو عند العقل على ما له من لذة وقتية أو ألم وقتي، كمن يتحمل المشاق الكثيرة و يقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم أو الجاه أو الصحة أو المال، و كمن يستنكر بعض اللذات الجسدية استكراها لشؤم عواقبها.
و كل ذلك يدخل في الحسن و القبح بمعنى الملائم و غير الملائم، قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: «و قد يعبر عنهما- أي الحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة فيقال: للحسن ما فيه مصلحة و القبح ما فيه مفسدة. و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما».
و هذا راجع إلى ما ذكرنا، و ليس المقصود أن للحسن و القبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة و المنافرة، فإن استحسان المصلحة إنما يكون للملاءمة و استقباح المفسدة للمنافرة.
و هذا المعنى من الحسن و القبح أيضا ليس للأشاعرة فيه نزاع، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليان، أي مما قد يدركه العقل من غير توقف على حكم الشرع. و من توهم أن النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططا و لم يفهم كلامهم.
ثالثا: إنهما يطلقان و يراد بهما المدح و الذم، و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية فقط. و معنى ذلك: أن الحسن ما استحق فاعله عليه المدح و الثواب عند العقلاء كافة، و القبيح ما استحق عليه فاعله الذم و العقاب عندهم كافة.
و بعبارة أخرى أن الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه ينبغي فعله، و القبيح ما ينبغي تركه عندهم، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه.