الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٦١ - توقّف الاجتهاد على العلم باصول الفقه
..........
حكّمه ملك على ناحية و عهد إليه أنّه متى أخبره ثقة بأنّ الملك أمرك بكذا أو نهاك عن كذا فعليك بالطاعة، و بيّن له المخلص عند تعارض الأخبار، فهو يترك العمل بما سمعه من الأوامر و النواهي من الثقات معلّلا بجهله بمسائل الاصول، فاستحقاقه للذمّ حينئذ لا ريب فيه.
و منها: أنّ هاهنا قوما لا يعملون بهذه الاصول بل يطرحونها خلف «قاف» [١] و ليسوا من المتحيّرين.
و منها: أنّه إذا لم نعرف تغيّر عرفنا من عرف زمان الشارع فلا بأس عليه، إذ الحجّة الآن أحاديثهم و ما كلّفنا بأزيد ممّا نفهمه منها، و إن علمنا تغيّر العرف فمن أيّ طريق نثبته أ من الكتاب أو السنّة أو الإجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) أم من تلك الاصول الضعيفة؟.
و منها: أنّه ليس في علم الاصول إلّا نقل الأقوال المتفرّقة و الأدلّة المختلفة فلا أصل له.
و لا يذهب عليك أنّ التأمّل في سياق هذه الكلمات و مساقها يعطي أنّ غرض هؤلاء نفي لزوم المراجعة في أخذ المسائل الاصوليّة المحتاج إليها في معرفة الأحكام إلى الفنّ المعهود المدوّن في كتبه المتداولة على وجه يستلزم التعلّم و الاستماع و صرف برهة من العمر حسبما هو متداول بين أربابه على حدّ سائر الفنون قديما و حديثا، لا نفي الحاجة إلى القدر المحتاج إليه من هذه المسائل بالمرّة و لو حصل استعلامها بغير جهة مراجعة هذا الفنّ، و إلّا فكيف يعقل الاستنباط من الكتاب و السنّة- المشتملين على الحقائق و المجازات مع القرائن و بدونها و المشتركات مع القرائن و بدونها، و ألفاظ العبادات و المعاملات و غيرها و الأوامر و النواهي و المناطيق و المفاهيم و العمومات و المخصّصات و المطلقات و المقيّدات، مع كون الخبر الواحد من السنّة قد يخالف ظاهر الكتاب، و مفهوم الموافقة أو المخالفة قد تعارض العامّ كتابا أو سنّة و عامّان كتابيّان أو خبريّان أو مختلفان قد يتعارضان، و كون اللفظ الوارد فيهما قد يتعارض فيه الأحوال المخالفة للأصل من المجاز و الاشتراك و النقل و التخصيص و الإضمار و التقييد و النسخ، و قد يتعارض فيه العرف و اللغة أو عرف الراوي و المرويّ عنه إلى غير ذلك من العناوين المأخوذة عند أرباب الفنّ- من دون معرفة أحكام الحقائق و المجازات من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة و أنّ المجاز لا يصار إليه إلّا
[١] «قاف» جبل محيط بالدنيا من زبرجد أخضر و إنّما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل. (تفسير القمي: ٥٩٥ و عنه في البحار ٥٧٠/ ١٢١ ح ٩).