الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢١٨ - الرابع ربّما يعدّ من العلوم العربيّة المحتاج إليها في استنباط الأحكام علم المعاني
..........
من شروط الاجتهاد و إن لم يصرّحوا به في المقام، إلّا أن يمنع الملازمة بما في كلام بعض الفضلاء من أنّه كثيرا ما يستغني الذكيّ المتدرّب في طرق المحاورات بوجدانه عن الرجوع إلى العلوم المذكورة.
و الإنصاف أن يقال: إنّ الفصاحة و الأفصحيّة ليستا من المرجّحات الواردة في النصوص ليكون ذلك كبرى كلّية لصغريات لا تحرز إلّا بعلمي المعاني و البيان كما في العدالة و الأعدليّة و نحوهما المحرز صغرياتها بعلم الرجال، بل الترجيح بهما لو صحّ فإنّما هو لكونهما من المرجّحات الغير المنصوصة المعدودة من الظنون الاجتهاديّة على القول بالترجيح بمطلق الظنّ الاجتهادي كما هو الأظهر و ظاهر الأكثر، فيدور الترجيح بها [١] على إفادتها، و الفصاحة مع الأفصحيّة إنّما تورثان ظنّ الصدور عن الإمام المعصوم (عليه السلام) إذا ثبت أنّه في غالب مكالماته كان يراعي الفصاحة، بل إذا ثبت أنّ الغالب عليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة مراعاة مقام الفصاحة.
بل الإنصاف أنّ هذه الغلبة- مع أنّها ممنوعة كما في كلام غير واحد من الأساطين- غير مجدية فيما هو من محلّ الاشتباه، و هو كون أحد المتعارضين فصيحا و الآخر ركيكا، أو أحدهما أفصح و الآخر دونه في الفصاحة و لم يعلم بأنّ الصادر عن المعصوم هو الأوّل أو الثاني.
- و قالوا في وجه تقديم الفصيح: أنّه أشبه بكلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذ كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أفصح العرب، و قد قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» [٢] و الركيك بعيد عن كلامه، و في وجه تقدّم الأفصح: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مختصّا من الفصاحة بمرتبة لا يشاركه فيها غيره فيغلب على الظنّ اختصاصه بالأفصح، و ذلك غير متحقّق في الفصيح لمشاركة غيره له فيه-.
إذ غاية ما يقتضيه كونه أفصح العرب و اختصاصه في الفصاحة بمرتبة لا يشاركه غيره فيها أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الاقتدار على أداء الكلام الفصيح أو الأفصح بمرتبة لا يبلغه غيره فيها، و هو لا يقضي بامتناع صدور غير الفصيح أو غير الأفصح منه، و لا بغلبة صدورهما عنه
[١] كذا في الأصل: و الصواب: «فيدور الترجيح بهما على إفادتهما» و اللّه العالم.
[٢] نقله الحلبي عن ابن هشام (راجع سيرة ابن هشام ١: ١٧٨)، و لكن حكى العجلوني في كشف الخفاء عن اللآلي أنّه قال: معناه صحيح و لكن لا أصل له كما قال ابن كثير و غيره من الحفّاظ، و أورده أصحاب الغريب و لا يعرف له إسناد (كشف الخفاء ١: ٢٠١)- و نحن أيضا لم نعثر على هذا التعبير في مجامعنا الروائية.