الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٦ - تقرير إجمالي لدليل الانسداد
..........
و أجاب عنه بعض الأفاضل: «بأنّه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظنّ من غير قيام دليل عليه، و ما ادّعي من انتفاء الدلالة في المقام فهو بيّن الفساد، كيف و لو لم يكن هناك دليل على حجّيته سوى انسداد سبيل العلم و انحصار الطريق في الظنّ مع القطع ببقاء التكليف لكفى في القطع بحجّيته، مع أنّ هناك أدلّة خارجيّة على حجّية عدّة من الطرق الظنّية كما قرّر في محلّه. و قد اعترف الأخباريّون بحجّية قول الثقة و جواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعيّة كما دلّت عليه عدّة من النصوص، مع أنّه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظنّ، و دعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع كما صدر من جماعة منهم ممّا يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين، فكيف مع ثبوتها بحسن الظاهر» [١].
[تقرير إجمالي لدليل الانسداد]
أقول: و ينبغي التعرّض لإقامة الحجّة على الحجّية لحسم مادّة الشبهة بالمرّة، و العمدة في ذلك الدليل العقلي المعبّر عنه بدليل الانسداد، و تنقيح هذا الدليل- بالتعرّض لدفع ما أورد عليه أو لعلّه يرد- خارج عن المقام لسبقه في محلّه، غير أنّا نشير هنا إلى تقريره إجمالا على وجه يندفع به شبهة الخصم في دعوى عدم الدليل على جواز العمل بالظنّ.
فنقول: إنّ الإنسان إذا لم يكن بالغا أو كان و لكن لم يكن عاقلا فلا كلام لأحد في أنّه في الوقائع المضافة إليه من أفعاله و غيرها كالأنعام و البهائم في إهمال ذلك الوقائع و خلوّها عن الحكم الوجودي بالمرّة حتّى الإباحة بالمعنى الأخصّ، بناء على أنّها كغيرها من الخمس التكليفيّة في الاشتراط بالبلوغ و العقل، و إذا كان بالغا عاقلا فإن كان قاطعا بالإهمال و خلوّ الوقائع بالنسبة إليه عن الحكم بالمرّة- بل لو كان ظانّا بهما أو شاكّا فيهما- فهو أيضا كالأوّلين في عدم تنجّز تكليف بالنسبة إليه، بل و كذلك أيضا لو كان ظانّا بعدم الإهمال، على معنى ظنّه بأنّ له في كلّ واحد حكما وجوديّا، فإنّ الظنّ بنفسه لا يصلح منجّزا للتكليف و لا يجب عليه التحرّي و النظر في معرفة تفاصيل هذا المظنون بالإجمال، بل لو اتّفق له حينئذ ظنّ تفصيلي بوجوب شيء أو تحريمه لا يجب عليه التعرّض للامتثال، بل يقبح في حكم العقل عقابه على الترك في الأوّل و على الفعل في الثاني، و هذا هو الظنّ الّذي لا يصلح حجّة أصلا و لا دليل من العقل و الشرع على وجوب اتّباعه بل الدليل على
[١] هداية المسترشدين ٣: ٦٧٩.