الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٦٥ - فصل التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور
..........
و أمّا على الثانية: فلأنّها عبارة عن العمل بما يوافقهم أو تطبيق العمل على مذهبهم.
و من البيّن استحالة تحقّق الحكم منفكّا عن موضوعه.
فتحقيق المقام: أنّ مصالح صدور الخبر على خلاف الواقع كما أشرنا إليه سابقا كثيرة، منها: إلقاء الخلاف بين الشيعة، و منها: التقيّة قوليّة أو فعليّة.
فالتقيّة مصلحة مقابلة لمصلحة إلقاء الخلاف بين الشيعة، و عدم [١] الموافقة للعامّة لا تعتبر في الاولى مع اعتبارها في الثانية، فالإيراد على المشهور بمنع اعتبارها في الثانية تعليلا بأنّها غير معتبرة في الاولى مع كونها في الطرف المقابل من الثانية كما ترى، إلّا أن يعتذر بجعله التقيّة للأعمّ و عليه مبنى عدم اعتبار الموافقة فيها و حينئذ فلا مشاحّة، إلّا أنّ النزاع معه حينئذ لفظيّ ببعض معانيه لرجوعه إلى تسمية إلقاء الخلاف بين الشيعة تقيّة.
و بالجملة الخلاف الّذي أحدثه إن كان معنويّا فممّا لا محصّل له، و إن كان لفظيّا فممّا لا جدوى فيه.
و لعلّ منشأه أنّه لمّا وجد أصحابنا المتأخّرين من العلّامة و من بعده أنّهم أحدثوا في تنويعهم الأخبار على أربعة أنواع وضعوا فيها اصطلاحا الصحيح و الموثّق و الحسن و الضعيف، و تخيّل من ذلك أنّ الباعث عليه اختلاف الأخبار المرويّة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) غاية الاختلاف و كثرة تبائنها و تعارضها بمظنّة أنّ هذا الاختلاف إنّما نشأ من اختلاط الأخبار الكاذبة بالأخبار الصادقة، و دسّ الأحاديث الموضوعة في الأحاديث المأثورة الصادرة منهم (عليهم السلام)، فأخذوا بذلك التنويع و وضعوا ذلك الاصطلاح، ليتميّز به الأخبار الصادقة عن الكاذبة و الأحاديث المدسوسة عن الأحاديث المأثورة، فأخذ (رحمه اللّه) بدفع هذا التوهّم و منع وجود الأخبار الكاذبة في الأخبار الموجودة بأيدينا المودعة في الكتب الأربعة بدعوى أنّها قطعيّة الصدور، لأنّ قدماء أصحابنا المحدّثين كالكليني و الصدوق و الشيخ و غيرهم من أرباب التصانيف (رضوان اللّه عليهم) و (قدّس اللّه أرواحهم) تعبوا خواطرهم في تصحيح تلك الأحاديث فنقّحوها و نقّبوها و أخرجوا منها الأخبار الكاذبة بقدر جهدهم و على حسب وسعهم، فهذه الأخبار الّتي بأيدينا اليوم وصلت منهم إلينا مصفّاة منقّاة خالية عن الكاذبة و الموضوعة بالمرّة، فلا يمكن حينئذ توهّم اختلاطها بها لتمسّ الحاجة إلى التميّز و التشخيص.
ثمّ إن قلت: فما وجه هذا الاختلاف الموجود فيها، و من أيّ شيء حصل ذلك مع
[١] كذا في الأصل، و الصواب، و «الموافقة للعامّة» إلخ.