الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٣٩ - حجّة القول بجواز التقليد لمن تمكّن من الاجتهاد
..........
أوّلا: بما تقدّم في أجوبة الآيتين الاوليين من أنّه لو تمّ لقضى بوجوب الحذر تعيينا و هو منفيّ بالإجماع، و ثبوت التخيير للمنذر بالإضافة إلى المنذرين لو تعدّدوا لا مدخل له بالتخيير الّذي هو محلّ البحث كما لا يخفى، فإنّ هذا التخيير بالقياس إلى اجتهاد نفس المنذر و هو العالم المتمكّن تعيين، لمنافاته قيام ما ليس من جنس الإنذار الحاصل من الغير مقامه.
و ثانيا: أنّ الآية عند التحقيق ينهض دليلا على وجوب الاجتهاد في حقّ محلّ البحث لا على جواز التقليد له، و ذلك لأنّ التفقّه المأمور به ليس إلّا عبارة عن الاجتهاد، و الأمر المتعلّق به إمّا أن يكون متوجّها إلى المتمكّنين من الاجتهاد أو إلى من يعمّهم و الغير المتمكّنين، و الثاني باطل لاستحالة التكليف بما لا يتمكّن منه. و الراجح في النظر القاصر أنّ هذا هو الوجه في تخصيص الأمر من كلّ فرقة بطائفة منهم، نظرا إلى أنّ المتمكّن منهم من الاجتهاد طائفة منهم لا جميعهم، فعلى هذا يكون الآية من الخطابات العينيّة لا الكفائيّة على خلاف ما فهمه القوم حيث يستدلّون بها على وجوب الاجتهاد كفاية بدليل تخصيص الطائفة بالذكر، مع أنّ مذهبهم في الخطاب الكفائي أنّه يتناول الجميع و يسقط بفعل البعض فيضطرّون في تصحيح الاستدلال بها- مع ظهورها في أمر الطائفة عينا- إلى تأويلها بأنّ تخصيص الطائفة بالذكر من جهة أنّها البعض الّذي يسقط بفعله الفرض عن الآخرين لا من جهة اختصاص الأمر بهم، و غفلوا عن أنّ هذا التأويل لا ينهض إصلاحا للأمر المتعلّق بالطائفة على طريق العينيّة، و من هنا ترى أنّ من خصّ فرض الكفاية بالبعض الغير المعيّن أخذ الآية دليلا على مطلوبه.
و ما استظهرناه في معنى الآية لا يستلزم إشكالا و لا افتقارا إلى التكلّف في دفعه بما لا يدفعه أصلا، فإذا كان المتمكّنون من الاجتهاد يجب عليهم الاجتهاد عينا يدخل فيهم محلّ البحث و هو المطلوب، بل الوجوب عليهم عينا عين المطلوب.
و لا ينافي ذلك للقضيّة المجمع عليها من أنّ الاجتهاد من فروض الكفاية يتعلّق بجميع المكلّفين و يسقط بفعل البعض، لأنّ هذا الاجتهاد لا بدّ و أن يراد منه غير ما هو المراد منه في محلّ البحث و هو تحمّل المشقّة في النظر في الأدلّة لاستنباط ما يستنبط منها من الأحكام، ضرورة أنّه لا يتمكّن منه إلّا بعد حصول مقدّمات وجوده من استحصال العلوم المعهودة المأخوذة من مباديه و الملكة و قوّة ردّ الفرع إلى الأصل فلا يكون ذلك ممّا يتمكّن منه