الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٣٤ - شرح فقرات مقبولة عمر بن حنظلة
..........
غيره و إن كانت مشهورة بين الأصحاب، لكون الوثوق و الاطمئنان بالصدق في جانب الأعدل و الأفقه، و لكنّه فرع على التميّز و معرفة الموضوع و إحراز الأعلميّة و الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و هذا أمر صار في غير زمان الأئمّة (عليهم السلام) و لا سيّما أزماننا هذه من المشكلات من جهة بعد العهد و عدم ملاقاة الرواة و عدم الاطّلاع على مراتبهم في العدالة و العلم و الفقاهة و نحوها، فصار معرفة أنّ هذا الراوي في العدالة أو الفقاهة كان بتلك المنزلة و إنّ غيره لم يكن بتلك المنزلة في غاية العسر و الصعوبة، بل ربّما كان متعذّرا، فلأجل ذلك جرى ديدن العلماء بالعمل بالخبر المشهور و ترك الشاذّ الغير المشهور، فإنّه ليس من جهة بنائهم على أنّ الخبر الشاذّ لا يعمل به و إن كان راويه أعدل و الوثوق به أكثر، بل من جهة أنّه لم يظهر لهم الأعدليّة الموجبة لزيادة الوثوق، بخلاف عصر الأئمّة (عليهم السلام) فإنّ الأصحاب ثمّة كانوا يعرفون العادل من الفاسق و الأعدل من العادل و الأفقه من الفقيه، و لذا كان الإمام (عليه السلام) يأمرهم بالأخذ بخبر الأعدل و الأفقه و نحوه ثمّ بالأخذ بالمشهور مع التساوي في العدالة و الفقاهة و غيرها.
ثمّ قال: «قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» و هذا شاهد قويّ بل دليل قطعي على أنّ المراد بالشهرة في الخبر المشهور المجمع عليه هو الشهرة في الرواية، على معنى اتّفاق أصحاب الحديث على نقله من الراوي لا الشهرة في الرواية و العمل معا، و لا الشهرة في العمل فقط، و لا الشهرة في الفتوى و هي اتّفاقهم على الفتوى بما وافق مدلول الخبر من دون أن يستندوا فيها إليه و لا روايتهم إيّاه.
أمّا الأخير فواضح، و أمّا الثاني و الثالث فلأنّ الاتّفاق على العمل بالمتنافيين غير معقول، بخلاف اتّفاقهم على نقل المتعارضين و ذكرهما في كتب الحديث أو الفقه، فإنّه ممّا لا استحالة فيه بل و لا بعد فيه بل هو واقع كثيرا.
قوله (عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة» و في هذا أيضا شهادة بعدم كون نظر الإمام (عليه السلام) في الترجيح مقصورا على ما يذكر من المرجّحات، و أنّ ما ذكره إنّما هو من باب المثال لا من جهة الحصر، و إلّا فقضيّة ظاهر «واو» الجمع مدخليّة الانضمام بين الثلاثة في المرجّحية و الترجيح بها، و هو خلاف الإجماع على كون كلّ من موافقة الكتاب و موافقة السنّة بانفراده مرجّحا من دون حاجة إلى انضمام الآخر إليه، نظرا إلى أنّ المراد بالسنّة هي