الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٠٥ - في بيان مقتضى الأصل في المتعادلين
..........
لمجرّد عدم إمكان فعلهما معا بل يحكم بالتخيير و يلزم المكلّف بأداء أحدهما لإمكانه و بقاء القدرة عليه، فكذلك في المتعارضين، فإنّ الدليلين في موضع عدم التعارض يجب العمل بكلّ منهما بانفراده و إذا حصل التعارض بينهما لا يجوز ترك العمل بهما معا لمجرّد عدم إمكان الجمع بينهما في العمل، فإنّ العقل لا يجوّزه بل يحكم بالتخيير لإمكان العمل بأحدهما على هذا الوجه.
و هذا عندنا موضع نظر بل عند التحقيق ليس بسديد أيضا، لبطلان التنظير و المقايسة، لوضوح الفرق بين ما نحن فيه و الواجبين المضيّقين في موضع المزاحمة.
و وجه الفرق: أنّ كلّا من الواجبين المضيّقين مشتمل على مصلحة كامنة فيه باعثة على إيجابه، ففي موضع عدم المزاحمة يجب تحصيل المصلحتين معا بأداء الواجبين معا، و إذا حصل المزاحمة بينهما تعذّر تحصيل المصلحتين معا، و لكن لا يلزم من تعذّر تحصيلهما معا جواز تفويتهما معا لإمكان تحصيل إحداهما، فيلزم العقل بذلك و لا يجوّز التفويت رأسا، و أمّا فيما نحن فيه فكون المتعارضين كالواجبين المتزاحمين إنّما يستقيم أن لو قلنا بالحجّية في الأدلّة الغير العلميّة على وجه الموضوعيّة، و هي أنّ الأمارة الغير العلميّة بقيامها في الواقعة أوجبت حدوث مصلحة فيها مؤثّرة في حدوث حكم على طبقها في مقابلة مصلحة الواقع، بحيث إنّ الشارع قطع النظر عن مصلحة الواقع و اكتفى بالمصلحة الحادثة من قيام الأمارة فأوجب العمل بها مراعاة لتحصيل هذه المصلحة، فعلى هذا التقدير كان المتعارضان كالواجبين المتزاحمين في أنّ عدم إمكان تحصيل المصلحتين معا لمكان التعارض لا يقضي بجواز تفويت إحدى المصلحتين، بل يجب في حكم العقل تحصيلها على وجه التخيير.
و لكن هذا تقدير فاسد لبطلان الجعل الموضوعي في الأمارات من جهة بطلان التصويب بل الصحيح فيها إنّما هو الجعل الطريقي، و هو أنّ الشارع جعل الأمارة طريقا و أمر باتّباعها لكونها غالب المطابقة للواقع، فالمصلحة الداعية إلى جعلها و التعبّد بها إنّما هي غلبة مطابقتها الواقع كما هو الحال في الأمارات المعمولة في الموضوعات الخارجيّة الّتي بأيدينا اليوم، حيث نعلم بأنّ الأمر الشرعي باتّباعها إنّما نشأ من غلبة مطابقتها الواقع، و الأمر باتّباع الأمارة لأجل هذه المصلحة ممّا يجوّزه العقل على الحكيم و لا قبح فيه أصلا، و إن كانت الأمارة قد يتّفق أنّها تخالف الواقع لأنّها في جنب المطابقة نادرة، فالأمر باتّباعها لأجل