الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٠٧ - نقل مقالة الأسترآبادي
..........
بمجموع الأمرين، و السرّ فيه: أنّه لا سبيل إلى فهم مراد اللّه تعالى إلّا من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه و منسوخه، و الباقي منه على الإطلاق و المأوّل و غير ذلك دون غيرهم، خصّهم اللّه تعالى و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بذلك.
و ثالثها: أنّ كلّ طريق غير التمسّك بكلامهم يفضي إلى اختلاف الفتاوى و الكذب على اللّه تعالى، و كلّ ما هو كذلك مردود غير مقبول عند اللّه لما تقدّم من الروايات المتواترة معنى.
و رابعها: أنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادة الظنّ بحكم اللّه تعالى، و قد أثبتنا سابقا أنّه لا اعتماد على الظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى و بنفيها.
و خامسها: أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بأنّ مراده تعالى من قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* [١] و من نظائرها من الآيات أنّه يجب سؤالهم (عليهم السلام) في كلّ ما لم نعلم.
و سادسها: أنّ العقل و النقل قاضيان بأنّ المصلحة في بعث الرسل و إنزال الكتب رفع الاختلاف و الخصومات بين العباد ليتمّ نظام معاشهم، فإذا كان من القواعد الشرعيّة جواز العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها لفاتت المصلحة، لحصول الاختلاف و الخصومات كما هو المشاهد.
و سابعها: التوقيع المنقول بطرق واضحة- كما سيجيء بيانه- المشتمل على قول إمام الزمان ناموس العصر و الأوان (سلام اللّه عليه): «أمّا الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم» [٢] و نظائره من الروايات.
و ثامنها: قوله (عليه السلام): «هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة» [٣].
و تاسعها: دقيقة شريفة تفطّنت بها بتوفيق اللّه تعالى و هي أنّ العلوم النظريّة قسمان: قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب فيه أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و لأنّهم عارفون بالقواعد المنطقيّة و هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.
[١] النمل: ٤٣.
[٢] الاحتجاج: ٢: ٤٧٠.
[٣] الكافي ١: ٤٠، ح ٣.