الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٨٩ - المسألة الثالثة فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،
..........
أمكن لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، فهو أضعف شيء ذكر في المقام و أوهن من بيت العنكبوت، و ذلك لأنّ القاعدة المستفادة من أدلّة حجّية الأدلّة الغير العلميّة و إن كانت وجوب إعمال الدليلين إلّا أنّه مقيّد بالإمكان، و لا يمكن إلّا حيث لا تعارض بينهما، فكلّ دليلين بينهما تعارض التباين لا يمكن إعمالهما معا.
و توضيحه: أنّ إعمال الدليلين إنّما يجب من حيث دليليّتهما، و لا ريب أنّ دليليّة الدليل كالخبر الظنّي منوطة بأمرين: أحدهما السند و هو صدوره، و الآخر دلالته، و الأوّل يحرز بجعل الشارع حيث أوجب علينا بمقتضى أدلّة الحجّية تنزيله منزلة الدليل القطعي في وجوب التعبّد بدلالته و الالتزام بمدلوله على أنّه الحكم الواقعي، كما أنّ الثاني يحرز بأصالة الحقيقة و ما بمعناها من الاصول اللفظيّة. و إن شئت قلت: إنّه يحرز بالظهور أوّليا كان أو ثانويّا.
فمعنى إعمال الدليل حينئذ التعبّد بدلالته المحرزة بالظهور تنزيلا لسنده الظنّي منزلة السند القطعي، و عليه ففي الدليلين المتعارضين كقوله (عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» و قوله (عليه السلام):
«لا بأس ببيع العذرة» يتصوّر وجوه أربع:
الأوّل: أن يؤخذ بسنديهما مع الأخذ بظهوريهما.
الثاني: أن يؤخذ بسنديهما مع الأخذ بظهور أحدهما و طرح ظهور الآخر.
الثالث: أن يؤخذ بسنديهما مع طرح ظهوريهما معا.
الرابع: أن يؤخذ بأحدهما سندا و ظهورا و يطرح الآخر.
و الأوّلان باطلان لعدم إمكانهما عقلا، أمّا الأوّل منهما: فلفرض التعارض، و أمّا الثاني منهما: فلأنّ التعارض لا يرتفع بمجرّد رفع اليد عن ظهور أحدهما، لبقائه بين خلاف ظاهر أحدهما و ظهور الآخر.
و الصحيح من الوجهين الأخيرين أيضا ثانيهما، لأنّ طرح ظهوريهما الأوّليين مع عدم انعقاد ظهور ثانوي فيهما في معنى ترك العمل بهما رأسا و هو خروج عن مقتضى أدلّة الحجّية، بخلاف الوجه الأخير الّذي يؤخذ فيه بأحدهما بتمامه، فإنّه إعمال للدليل بالمعنى المتقدّم، و لا يلزم من طرح الآخر خروج عن مقتضى أدلّة الحجّية بتقييد أو تخصيص، إمّا لما بيّنّاه سابقا من أنّ ترك العمل بأحد المتعارضين إنّما هو لمانع التعارض و لا يؤول إلى إنكار حجّيته الذاتيّة فلا ينافيها، أو لأن أدلّة الحجّية مقيّدة بإمكان العمل و ظاهر أنّ العمل