الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٤٥ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
و إن كثرت فوائده، و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد ما رووه، بل قصدي إلى إيراد ما افتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي» [١]، إلى آخره.
و بالجملة فالمستفاد من كلمات هؤلاء الأساطين و غيرهم أنّه ليس كلّ كتاب يؤلّف في الحديث كان الغرض من تأليفه الهداية بحيث عمل به مؤلّفه أيضا فضلا عن كونه معتقدا بصدقه أو صحّته، كيف و قد يكون الثقة يؤلّف كتابه محتويا للأحاديث مطلقا ليفرّغ نفسه عند الحاجة إلى الاجتهاد فيراجعه حينئذ و يستند إلى صحاحه بعد ما ميّزها عن ضعافها، و يعتمد على ما يصلح للاعتماد عليه و يترك ما لا يصلح لذلك، و قد يؤلّفه لغرض الهداية لكن لا بمعنى أن يعمل به المتأخّر كيفما اتّفق و بجميع ما فيه، بل بصحاحه بعد مراعاة التمييز بينها و بين ضعافها، لعلمه بأنّ له طريقا في ذلك و هو مراجعة الكتب الرجاليّة، بل هو بنفسه ربّما يتصدّى لتأليف ما ينفعه في مقام التمييز كما أشار إليه بعض المحقّقين في كلام محكيّ له و قد تقدّم نقله، و قد يكون هو ممّن لا يجوّز العمل بأخبار كتابه لعدم افتقاره إليها أو لمنعه العمل بأخبار الآحاد لكن يؤلّف الكتاب لعلمه بأنّ الحوائج تختلف و المذاهب في أخبار الآحاد تتعدّد، فربّما يحتاج المتأخّر إلى كتابه و هو قد يكون ممّن يرى العمل بأخبار الآحاد جائزا من باب التعبّد لدليله التامّ في نظره أو من باب الظنّ خصوصا أو عموما، فلا ملازمة بين نقله الأخبار- و لو لغرض الهداية- و كونها في نظره قطعيّة.
و يشهد بذلك كلّه ما سمعته عن فقيه الصدوق من قوله: «بل قصدت إيراد ما افتي به و أحكم بصحّته، و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي» و على فرض قطعه فهو له بحسب اجتهاده الغير المأمون عن الخطأ.
و ممّا يرشد إلى جميع ما قلناه جريان عادة أصحاب كتب الحديث على ضبط أسانيد الأخبار المنقولة في كتبهم، حتّى أنّ الصدوق مع حذفه الأسانيد باعتذار ما سبق منه وضع رسالة منفردة عن الفقيه لضبط طرق رواياته المنقولة فيه و هي موسومة عندهم بالمشيخة، فلو أنّ الروايات بأجمعها كانت قطعيّة في نظرهم أو كان قطعهم بالصدور أو الاعتبار كافيا في حصول القطع بأحد الأمرين لم يكن لهم غرض يدعوهم إلى تحمّل هذه الكلفة.
و بجميع ما ذكر يتبيّن ما في قوله: «مع تمكّنه من استعلام حال ذلك الأصل» إلى آخره.
مضافا إلى توجّه المنع إلى أصل التمكّن، و على فرضه فقد يتعسّر على وجه يسقط
[١] من لا يحضره الفقيه ١: ٢.