الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٩٣ - المسألة الثالثة فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،
..........
يعدّل بدعوى عدم العلم بصدور موجب الفسق، و من الظاهر عدم التعارض بينهما، و إطلاق هذا التعليل كإطلاق تقديم قول الجارح و إن كان عندنا عليلا- كما حقّقناه و فصّلناه في محلّه- غير أنّ المقصود هنا بيان عدم جريان الجمع بهذا المعنى في مسألة تعارض البيّنتين لكون تصديق كلّ منهما تكذيبا للاخرى.
و السرّ فيه: أنّ كلّا منهما إخبار بالحقّ عن علم.
بل المراد به الأخذ بكلّ منهما في نصف المدّعى به، فلو قامت بيّنتان عند التداعي في عين شخصيّة يجمع بينهما بإعطاء نصف تلك العين أحد المتداعيين عملا ببيّنته في الجملة و النصف الآخر المتداعي الآخر عملا ببيّنته أيضا في الجملة، و مثله ما لو اختلف مقوّمان في تقويم عين معيّنة، فقال أحدهما: بأنّ قيمتها عشرة، و الآخر: أنّها اثنا عشر، فيجمع بينهما بأخذ نصف كلّ منهما فيحكم بأنّ قيمة العين أحد عشر، لأنّه مجموع النصفين من المجموعين، فهل الجمع بهذا المعنى أولى هنا من طرح إحداهما بالكلّية و الأخذ بالاخرى كذلك تخييرا أو لا؟
و الّذي يظهر من ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد هو الأولويّة، بل جعل التنصيف الّذي يحكم به الحاكم في تعارض البيّنتين من فروع أولويّة الجمع بين الدليلين و ثمراته، و هذا بظاهره مشكل بل لا وجه له، لعدم إمكان الجمع بحيث يجدي في ارتفاع التعارض، إذ المانع من الأخذ بنصف مقتضى كلّ منهما بعينه مانع من الأخذ بالنصف الآخر من كلّ منهما، ضرورة أنّه لا مانع في المقام من العمل بهما معا في النصف الساقط إلّا المعارضة، و هي كما أنّها موجودة بالنسبة إلى أحد النصفين فكذلك موجودة بالنسبة إلى النصف الآخر، لوضوح أنّ كلّا منهما تقتضي ثبوت تمام الحقّ لصاحبها، و المقتضي لثبوت تمام الحقّ يقتضي ثبوت بعض الحقّ أيضا، فيقع التعارض بينهما في كلّ من النصفين، و طرح النصف عن مقتضى كلّ منهما لا يقضي بعدم المعارضة بينهما بل هي بعد باقية على حالها، و جعلها مانعة في البعض دون غيره كما ترى.
و بالجملة مآل الجمع بهذا المعنى إلى الأخذ بكلّ منهما في الجملة و طرح كلّ منهما في الجملة، و نحن نقول: إنّه ليس بأولى من طرح إحداهما بالكلّية و الأخذ بالاخرى بالكلّية، و ليس لأحد أن يجعل الأوّل أرجح بالنظر إلى دلالة ما دلّ على وجوب العمل بالأمارات و البيّنات، لأنّه كما أنّ الأوّل موافقة لتلك الأدلّة بالعمل بالبعض في الكلّ فكذلك الثاني أيضا