الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٩٤ - المسألة الثالثة فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،
..........
موافقة لها بالعمل بالكلّ في البعض، و لا يعقل للأوّل رجحان على الثاني لاشتمال كلّ على عمل في الجملة و مخالفة في الجملة.
غاية الفرق بينهما حصول العمل و المخالفة في بعض الكلّ و كلّ البعض، و كون ذلك موجبا لرجحان أحدهما على الآخر غير معقول، و ليس مبنى بناء الأصحاب في عنوان هذه المسألة على التنصيف من غير خلاف يعرف بينهم على كون ذلك جمعا بل الحكم إجماعي ظاهرا، و لعلّ النكتة فيه أنّ المخالفة القطعيّة في الجملة مع الموافقة القطعيّة كذلك أولى من المخالفة و الموافقة الاحتماليّتين في نظائر المقام.
و توضيح ذلك: إنّ إعمال البيّنة و نحوها من الأمارات إنّما هو لأجل إثبات حقّ من حقوق الآدميّين، و العمل بالبيّنات لإثبات الحقوق و الأموال ليس كالعمل بالأدلّة لإثبات الأحكام و التكاليف، فإنّ المخالفة القطعيّة في الأحكام و التكاليف- على ما حقّق في محلّه- غير جائزة، فلو اجتمع الواجب و الحرام و اشتبها كالإناءين المشتبهين مثلا إذا وجب استعمال أحدهما و حرم استعمال الآخر فلا يجوز القول باستعمال كليهما و لا بترك استعمال كليهما لاستلزام كلّ منهما مخالفة قطعيّة، أمّا الأوّل فلاستلزامه ارتكاب المحرّم بعنوان القطع، و أمّا الثاني فلاستلزامه ترك الواجب بعنوان القطع، و إن استلزم كلّ منهما القطع بالموافقة من جهة فعل الواجب في الأوّل و ترك الحرام في الثاني، بل في نحو ذلك لا بدّ من استعمال أحدهما و ترك الآخر بحكم القوّة العاقلة بأولويّة المخالفة و الموافقة الاحتماليّتين بالقياس إلى المخالفة و الموافقة القطعيّتين، بخلاف المقام الّذي هو من الحقوق فإنّ القطع بإثبات نصف الحقّ لصاحبه مع إبطال نصفه الآخر أولى من احتمال إثبات تمام الحقّ مع احتمال إبطال تمام حقّه، و ذلك لبناء العرف و استقرار طريقة الشارع عليه، و لذا ترى الناس في الخصومات و المنازعات لا يزالون يبادر أذهانهم إلى الإصلاح بين المتنازعين و يحملونها مهما أمكن على الصلح، بل صار أولويّة ذلك و رجحانه عندهم من سجاياهم، و قد ورد في الروايات أيضا ما يقضي بذلك و نطق به الكتاب العزيز أيضا.
فصار محصّل الكلام: أنّ بناء الناس في تعارض البيّنات و نحوها على عكس بنائهم في الأدلّة المتعارضة، لبنائهم ثمّة على الجمع بين الحقوق.
و يؤيّده الاعتبار أيضا من حيث إنّ التنصيف و الأخذ بكلّ منهما في البعض تسوية و هي لا تقتضي داعيا إلّا رفع الخصومة و قطع المنازعة، بخلاف الأخذ بإحداهما و طرح