الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥١٧ - عدم جواز تقليد الميّت
..........
و قيل: بالثاني.
فعلى الأوّل يخرج الذهن عن قابليّة بقاء الظنّ فيه.
و على الثاني يفنى الذهن بالموت الّذي يفنى بسببه جميع القوى الحيوانيّة و القوى الإنسانيّة الّتي منها القوّة المدركة.
ألا ترى أنّ الهرم و الشيب و ارتفاع السنّ يوجب ضعف القوى و الحواسّ الظاهرة و الباطنة حتّى أنّه يبلغ حدّا يذهب معه بالسامعة و الباصرة و المدركة و غيرها، فيصير بحيث لا يبصر و لا يسمع و لا يدرك و لا يفهم شيئا كالطفل الغير المميّز، كما نطق به قوله عزّ من قائل:
وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.
و لا ريب أنّ ألم حالة النزع الّذي أشدّ من جميع الآلام يوجب اختلال العلوم و الإدراكات و يزول الجميع بالموت بسبب فناء القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة الّتي منها الذهن.
و لعلّ هذا القول أقوى و أقرب بالاعتبار، و نصّ عليه بعض أهل المعقول و نسب إلى المحقّقين أيضا، فالظنّ و محلّه- و هو الذهن بمعنى القوّة الدرّاكة- من الأعراض المشروطة بالحياة، فدعوى بقائه مع فناء محلّه أو منشأه بعد الموت واهية لا ينبغي الإصغاء إليها.
و ممّا يؤيّد ذلك أيضا أنّ الظنّ متقوّم بالقوّة المدركة و هي كسائر القوى متقوّمة بالحياة و هي متقوّمة بالأخلاط الأربعة، و لذا قيل: ليس الموت إلّا فناء الأخلاط الأربعة و لكلّ منها أثر في البدن، مثل أنّ أثر الصفراء جودة الفهم و حسن الإدراك و سرعة الانتقال، و أثر البلغم رداءة الفهم و سوء الإدراك و بطء الانتقال، و أثر الدم الشهوة و الغضب و غير ذلك، فإذا كان للأخلاط مدخليّة في الإدراكات يلزم من فنائها الّذي هو الموت زوال آثارها الّتي هي الإدراكات الّتي منها الظنون.
و بالجملة العلوم و الإدراكات و إن كانت من فعل الروح و النفس الناطقة إلّا أنّ فاعليّته مشروطة بتعلّقه بالبدن و توسّط القوى الإنسانيّة، و إذا انقطع التعلّق و فنت القوى بالموت زالت العلوم و الإدراكات كلّها، و هل يتجدّد له بعد الموت علوم اخر و هو معنى انكشاف الواقع أو لا؟ الحقّ أنّه لا دليل من عقل و لا نقل على وقوع الأوّل و لا على امتناعه و الأصل عدمه، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما لو قلنا بالبدن المثالي في عالم البرزخ مطلقا- على معنى أنّ الروح بعد مفارقته هذا البدن يتعلّق في جميع حالاته إلى قيام الساعة ببدن آخر مثل هذا البدن- أو في الجملة، كما يستفاد من الأخبار منها ما عن الكافي في الصحيح