الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٨٥ - و ثالثها في من يشرع له التقليد
..........
بحجّية ظنّه و مؤدّى اجتهاده المعبّر عنها: «بأنّ كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي» فإنّها في اقتضاء المنع من التقليد من القضايا الّتي قياساتها معها، ضرورة أنّ كون مؤدّى اجتهاده حكم اللّه في حقّه معناه وجوب بناء العمل عليه و حرمة مخالفته، و الرجوع إلى الغير في محلّ الخلاف مخالفة و طرح له فيكون حراما.
و إن كان متجزّيا فلا إجماع على منع التقليد فيه كما لا إجماع على جواز عمله بظنّ نفسه لمكان الخلاف، غير أنّ الأقوى جواز العمل له بظنّه لكونه أقرب إلى الواقع بالقياس إلى ظنّ غيره، و قد يعلّل بأنّه عمل عن معرفة و التقليد عمل لا عن معرفة.
و لا ريب في رجحان الأوّل و حسنه في نظر العقل، كحسن تحصيل ملكة الاستنباط فيمن يقدر عليه و هو مردّد بينه و بين التقليد.
و لا خفاء في ضعفه، لأنّ حسن العمل عن معرفة إنّما يسلّم في العمل المشروع، و ما شكّ في مشروعيّته لا حسن فيه بل العقل مستقلّ بقبحه كما يظهر بأدنى تأمّل.
هذا إذا كان الناظر في حكم المتجزّي غيره من العلماء الأزكياء و أمّا إذا كان الناظر هو المتجزّي نفسه لاستعلام حكمه فلمّا كان أمره دائرا بين المحذورين حرمة التقليد و حرمة العمل بالظنّ- لاندراجه في كلّ من عمومات المنع من التقليد و عمومات المنع من العمل بالظنّ بل منع العمل بما وراء العلم- فالمتعيّن في حقّه اتّباع العلم و انتهاء عمله إليه في المسألة الفرعيّة أو الاصوليّة أو العمل بالاحتياط و لا محيص له عن أحد هذه الامور، فإن أدّى اجتهاده في المسألة الفرعيّة إلى العلم بالحكم الواقعي فلا إشكال، و إلّا تأمّل في المسألة الاصوليّة فإن وصل إلى قاطع يقضي بجواز بنائه على ظنّه و أخذه بمؤدّى اجتهاده أو بجواز رجوعه إلى غيره فلا إشكال أيضا، و إلّا فلا مناص له من العمل بالاحتياط، و إن كان لم يجتهد فعلا أصلا ففي جواز التقليد له أو وجوب العمل بالاحتياط خلاف.
و التحقيق هنا أيضا أنّ الحكم الواقعي في حقّه أحد الأمرين من الاجتهاد و العمل بمؤدّاه أو الأخذ بالاحتياط بعد معرفته و معرفة موارده، و لا يسوغ له العدول إلى التقليد لعموم أدلّة منعه و حرمته و استقلال العقل برجحان الاجتهاد و حسنه.
هذا إذا أمكنه الاجتهاد، و أمّا إذا لم يمكنه لضيق وقت أو فقد كتب أو مانع آخر فمقتضى الأصل و القاعدة تعيّن العمل بالاحتياط و عدم جواز التقليد له، لكن ظاهر العلماء هنا جواز التقليد و عدم وجوب الاحتياط لعدم كونه ممّا أوجب الشارع سلوكه بعينه في امتثال أحكامه.