الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٣ - تعليقة- في إثبات إمكان المجتهد المطلق
..........
المسائل تعارض الدلالات المنصوبة من قبله تعالى في نظره، و أنّ حكم اللّه في حقّه و حقّ مقلّديه ما دام كذلك التخيير.
و العجب كلّ العجب من متأخّري أصحابنا حيث قالوا بهذه المقدّمات مع أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار ببطلانها، فإنّها [صريحة] في أنّ له تعالى في كلّ واقعة خطابا صريحا قطعيّا خاليا عن المعارض، و في أنّ كثيرا منها مخفيّ عندهم (عليهم السلام)، و في أنّه يجب التوقّف في كلّ واقعة لم نعلم حكمها.
و ممّن تفطّن بتعذّر المجتهد المطلق الآمدي من الشافعيّة، و صدر الشريعة من الحنفيّة مع كثرة طرق الاستنباطات الظنّية عندهم، فالعجب كلّ العجب من إماميّ يزعم عدم تعذّره مع قلّة طرق الاستنباطات الظنّية عنده» انتهى [١].
و هذا الكلام كما ترى من صدره إلى ذيله مختلّ النظام، و وجوه الإيراد على فقراته كثيرة تظهر بالتأمّل، لكنّ الّذي يتعلّق منها بمحلّ الكلام هو أن يقال: إنّ تعذّر الاجتهاد المطلق إن اريد به تعذّر العلم أو الظنّ في كلّ واقعة من أوّل الوقائع الّتي عيّن لها بحسب الواقع أحكام إلى آخرها فهو حقّ لا ينكره أحد و لا يقول أحد من الإماميّين بعدم تعذّر ذلك، غير أنّ الاجتهاد الّذي عليه بناء عملهم قديما و حديثا ليس مقصورا على هذا الفرض، لما تقدّم من اعترافهم بأنّه قد يفضي إلى القطع و قد يفضي إلى الظنّ كما هو الغالب، و قد يفضي إلى الأخذ بمقتضى الاصول العامّة العمليّة التعبّديّة الّتي هي المرجع بعد تعذّر الوصول إلى الواقع علما أو ظنّا.
و إن اريد به تعذّره مطلقا حتّى بالقياس إلى مواضع التعبّد من الاصول و غيرها فهو كذب و فرية، كيف و لا يخلو واقعة اجتهاديّة إلّا و أنّ المجتهد على تقدير اجتهاده فيها يصل إلى حكمها الواقعي علما أو ظنّا إن أصابه فيها دليل اجتهادي معتبر واضح الدلالة خال من المعارض الّذي عجز عن علاجه، أو حكمها الظاهري المستفاد من الأسباب التعبّديّة من الاصول العامّة، و الّذي يقول الإمامي و غيره بعدم تعذّره هو الاجتهاد بهذا المعنى.
و الحاصل: أنّ الّذي يتعذّر الوصول إليه في جميع المسائل إنّما هو الحكم الواقعي المثبت في كلّ واقعة، و هو لا يقضي بتعذّر الوصول إلى الحكم الفعلي الثابت في كلّ واقعة الّذي هو
[١] الفوائد المدنيّة: ٢٦١.